أقوال بعض العلماء في هذا الموضوع
حول
عبارة نتعاون فيما اتفقنا عليه
الرد
على أهل البدع من أعظم أنواع الجهاد
مثال آخر: عَمْرو بن عُبَيْد المعتزلي
خلاصة رأي العلماء في سبب انحرافه عن الحق
لماذا
لم يجعل الله العقل مصدراً للتشريع؟
علاقته
الوطيدة مع اليهود والنصارى
الصواعق
الحارقة على المرجئة المارقة
الأصل
في الأفعال التقيد بأحكام الشرع وليس الأصل فيها الإباحة ولا التحريم
الاستشهاد بالحديث الضعيف في الفقه
الاستشهاد بالحديث الصحيح في الفقه
الفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في علم الحديث
الانتقادات على منهج الشيخ ناصر الدين الألباني –رحمه الله–
1– زعمهم أن عدداً من الصحابة (مثل عمر t) ردوا حديث فاطمة بنت قيس r، لأنه معارض للقرآن!
2– زعمهم أن عائشة t ردت حديث ابن عمر t لأنه يعارض القرآن
3– زعمهم أن مذهب أبي حنيفة هو رد الحديث إذا تعارض مع الرأي
شبهات
الذين يردون السنة بالرأي
1– زعمهم بأن الأئمة الكبار كانوا يردون الحديث إذا تعارض مع
الرأي
2– زعمهم بوجوب رد الحديث إذا خالف القرآن (غير مكتمل)
3– زعمهم أن راوي خبر الآحاد قد يخطئ
4– محاولتهم رد الحديث بدعوى نقد المتون!
رد
الإمام الشافعي على من أفتى برأيه بغير دليل
الفرق
بين المُجتهد وبين صاحب الرأي
1– حديث الوائدة والمؤودة في النار
3– حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة
4– حديث لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام
5- حديث: ما رأيت من ناقصات عقل و دين أسلب للب الرجل الحازم
من إحداكن (غير مكتمل)
ردود ومناقشات حول تولي المرأة للولايات العامة
7– حديث يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب الأسود
مبلغ
علم الشيخ في تخريج الأحاديث
إجماع
المسلمين قاطبة على كفر من استهزأ بالإسلام
بسم
الله الرحمان الرحيم
(رأينا
تأخير نشرها)
إن
الفرقة أمر قدري واقع لا محالة لقوله تعالى: ]ولو شاء ربك لجعل الناس أمة
واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملان جهنم
من الجنةِ والناس أجمعين[. وقوله r كما أخرجه مسلم في صحيحه: «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين
ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسَنَةِ (أي القحط والجدب) فأعطانيها.
وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».
وقوله r: «وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين
فرقة».
ولا
ريب أنه يجب على المسلمين توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم على الحق وتعاونهم على البر
والتقوى ضد أعداء الإسلام، كما أمرهم الله سبحانه بذلك بقوله عز وجل: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا
تفرقوا[. وحذرهم من التفرق بقوله سبحانه: ]ولا تكونوا كالذين تفرقوا
واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات[.ولكن لا
يلزم من وجوب اتحاد المسلمين وجمع كلمتهم على الحق واعتصامهم بحبل الله، ألا
ينكروا المنكر على من فعله أو اعتقده. بل مقتضى الأمر بالاعتصام بحبل الله أن
يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبينوا الحق لمن ضل عنه أو ظن ضده صواباً
بالأدلة الشرعية حتى يجتمعوا على الحق وينبذوا ما خالفه. وهذا هو مقتضى قوله
سبحانه: ]وتعاونوا
على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[، وقوله سبحانه: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[.
لذلك
على الدعاة أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم ومع الناس في أمر دعوتهم، وأن يقولوا لهم
الحقيقة لأنها لابد أن تظهر وتطفو على السطح مهما عملوا على تأجيلها. ومتى سكت أهل
الحق عن بيان أغلاط المخطئين، لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الدعوة إلى الخير
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومعلومٌ ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن
إنكار المنكر وبقاء المخالف للحق على خطئه. وذلك خلاف ما شرعه الله سبحانه من
النصيحة والتعاون على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإخفاء
الخلاف والظهور بمظهر الو حدة والائتلاف سبيل اليهود المغضوب عليهم حيث وصفهم
خالقهم في كتابه المجيد: ]تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك
بأنهم قوم لا يعقلون[ فلو كانوا
يعقلون لعملوا على اجتثاث الخلاف من أصوله فتوحدوا، ولم يقروا الخلاف، ويظهروا
أمام خصومهم بمظهر الوحدة، فإذا مادت الأرض من تحتهم أتى الله بنيانهم من القواعد
فخر عليهم السقف من فوقهم.
وعليه
فإن الدعوة إلى إخفاء الخلافات بين العاملين للإسلام عن الناس دعوة إلى الاهتداء
بسنن المغضوب عليهم، والذين أمرنا بمخالفتهم، وحذرنا رسولنا r من التشبه بهم والسير على خطواتهم. وإخفاء الخلاف أمر مهلك
للأفراد والجماعات وسبب انقراض المجتمعات وسقوط الحضارات ومورث للعلن الذي لحق
ببني إسرائيل بسبب عدم تناهيهم عن المنكر كما أخبر سبحانه: ]لعن الذين كفروا من بني إسرائيل
على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن
منكرٍ فعلوه. لبئس ما كانوا يفعلون[.
إن
معرفة مواطن الخلل وتصحيحه، هي سلامة في البناء وصلابة في القاعدة وإقامة للمجتمع
على تقوى الله ورضوانه. وان التستر عليها والسكوت عنها بحجة عدم التشويش في الوسط
الإسلامي وعدم خلخلة الصف المؤمن، من أوهام الإنسان وتلبيس الشيطان.
والفرقة
وإن كانت واقعة لا مفر منها إلا أننا مكلفون شرعاً بالأخذ بأسباب القضاء عليها كما
قال الله تعالى: ] فإن
تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك
خير وأحسن تأويلاً [ وقوله
سبحانه: ] وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله[. فلقد بين الله في هاتين الآيتين طريق الوصول إلى كلمة سواء، وذلك
بفعل ما أمر الله واجتناب ما نهى عنه الله. وحدّد لنا طريقاً واحداً للسعادة
والنجاة، وأمرنا بأن لا نحيد عنه ولا نفترق فقال: ]وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه
ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون[. وذلك أن الحقّ لا يتعدّد.
فالنصح
شرعة تعبدنا الله بها لمن خلصت نيته وصفة سريرته لقول الرسول r الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول
الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم». إن الإبقاء على
الأخطاء وعدم كشفها وتبصير الجيل بها وعدم معالجتها مهما تعددت الأسباب، لتودي
بالعمل الإسلامي كلما بلغ اشده واستوى على سوقه. وإن فلسفة التلفيق وعدم المناصحة
لا تقتصر على تدعيم أركانها ونموها، وإنما تعمل على تكرارها. لذلك فالخطورة في
قبول الخطأ والرضى به، وليست الخطورة في بيانه ومعالجته.
إن
كثيرا من الذين يحذرون عملية النقد والنصح ويحذرون منها، لا نشك في إخلاصهم،
ولكننا نشك في إدراكهم للحق والصواب. ولذلك فإن الإخلاص وحده لا يكفي لبلوغ
الغاية. فكم من مريد للخير لم يبلغه، ولكن من يتحرى الخير يعطه ومن يتوقى الشر
يوقه.
و
عملية النصح لا تقل أهمية عن الإخلاص إن لم تكن هي الإخلاص نفسه. فلقد كان منهج
المحدثين الذين اخذوا على عاتقهم بتوفيق الله لهم القيام بالدفاع عن السنن، فوضعوا
علم الجرح والتعديل. فبعض الرواة الذين كانوا أصحاب عبادة أناء الليل وأطراف
النهار حيث لا يتطرق الشك إلى إخلاصهم، ومع ذلك رُدّت روايتهم لعدم قدرتهم على
الضبط ولسيطرة الغفلة عليهم. ولقد بلغ الإخلاص ببعضهم أن يضع أحاديث لم ترد عن
النبي r. وعندما سئلوا عن قوله r: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» قالوا: نحن ما
كذبنا عليه وإنما كذبنا له! قال الحافظ ابن كثير –رحمه الله– في "اختصار علوم
الحديث": «وهذا من كمال جهلهم وقلة عقلهم وكثرة فجورهم وافتراءهم. فإنه r لا يحتاج –في كمال شريعته وفضلها– إلى غيره».
إذاً
فكان ذلك محل رفض لأن الكذب له كالكذب عليه، ولا فرق ولو اختلفت الدوافع، فإن
النتائج واحدة والأعمال بخواتيمها. وليعلم هؤلاء أنهم كالأم الرؤوف التي بلغت
غيرتها ومحبتها لوليدها الوحيد إلى عدم تقويم سلوكه وتربيته حفاظاً على شعوره.
فلما بلغ السعي الفته عاجزاً عن حل مشكلاته. هذه المحبة الناقصة قد تودي إلى
هلاكه، لأن هذه الأم حالت بينه وبين من يتعاهده ويرعاه خشية أن يخاف من مقابلته أو
يتألم من علاجه.
وأعلم
أخي المسلم أن الخطأ في المعالجة وغياب الموعظة الحسنة عند بعض القائمين بهذا
الأمر، لا يسوِّغ للآخرين المطالبة بإلغاء النصح لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة
المسلمين وعامتهم بحجة فقدان السلوك القويم والأسلوب الرشيد وفظاظة الذين
يمارسونها. وإنما ينبغي إلغاء الفظاظة والغلظة، وتهذيبها بمكارم الأخلاق الذي بعث
محمد r ليتمها. ولذلك لابد من وجود الطائفة
المنصورة القائمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المستمرة في الثبات عليه غير
خائفة لومة لائم ولا شماتة شامت، حتى يأتي أمر الله بالنصر والتأييد.
ولاشك
أن الغيرة التي أودعها الله في قلب كل مؤمن على محارمه هي التي تحركه إلى القيام
بهذا الواجب، كما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال: «إن الله تعالى يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي
المؤمن ما حرم الله عليه». وثبت في الصحيحين أيضاً عن أنس t أن رسول الله rقال: «انصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً». قيل: «يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟». قال:
«تمنعه من الظلم». وفي رواية لمسلم من طريق جابر t بلفظ: «إن كان ظالماً فلينهه، فإنه له نصر».
واعلم
أخي الموحّد أنه لا يمكن الاجتماع مع اختلاف المنهج والعقيدة. وخير شاهد لذلك:
واقع العرب في الجاهلية، حيث كانوا متفرقين متناحرين. فلما دخلوا في الإسلام تحت
راية التوحيد، وصارت عقيدتهم واحدة، اجتمعت كلمتهم وقامت دولتهم. وقد قال الله
تعالى لنبيه r: ]لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما
ألفت بين قلوبهم. ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم[. ولذلك فإن توحيد الله أولى من توحيد الصفوف. فقد كانت
قريشٌ صفاً واحداً، حتى جاء نبينا r ففرّق بين
الحقّ والباطل، بدعوته إلى توحيد الله. والله يهدي إلى الصراط المستقيم، وهو القوي
العزيز.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (28\231): « وقال بعضهم لأحمد
بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا.. فقال: إذا سكتَّ أنت،
وسكتُّ أنا، فمتى يعرف الجاهل: الصحيح من السقيم؟! ومثل أئمة البدع من أهل
المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان
حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين. حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم
ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: "إذا صام وصلى واعتكف،
فإنما هو لنفسه. وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين. هذا أفضل".
فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله. إذ تطهير
سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك، واجبٌ على
الكفاية باتفاق المسلمين. ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء، لفسد الدين، وكان
فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب. فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا
القلوب وما فيها من الدين، إلا تبعاً. وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء».
ويقول
في "نقض المنطق" (ص12) في ذم أهل البدع وبيان فضل من تصدى لهم بالحجة
والبرهان فأفحمهم بقوة البيان، وقطع جهيزتهم بالسنة والقرآن: «الردود على المعتزلة
والقدرية، وبيان تناقضهم فيها قهر المخالف، وإظهار فساد قوله، هي من جنس المجاهد
المنتصر. فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن
السنة أفضل من الجهاد».
قال
الشيخ بكر أبو زيد في كتابه "الرد على المخالف من أصول الإسلام" (ص78):
«إن النبي r يخبر بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين
فرقة، والنجاة منها لفرقة واحدة على منهاج النبوة، أيريد هؤلاء اختصار الأمة إلى
فرقة وجماعة واحدة مع قيام التّمايز العقدي المضطرب؟! أم أنها دعوة إلى وحدة تصدّع
كلمة التوحيد فاحذروا. وما حجتهم إلاّ المقولات الباطلة: لا تصدّعوا الصف من
الداخل! لا تثيروا الغبار من الخارج! لا تحركوا الخلاف بين المسلمين! نلتقي فيما
اتّفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه! وهكذا. وأضعف الإيمان أن يقال لهؤلاء:
هل سكت المبطلون لنسكت، أم أنهم يهاجمون الاعتقاد على مرأى ومسمع، ويطلب السكوت؟
اللهم لا
…ونعيذ
بالله كل مسلم من تسرب حجة اليهود، فهم مختلفون على الكتاب، مخالفون للكتاب، ومع
هذا يظهرون الوحدة والاجتماع، وقد كذبهم الله تعالى فقال سبحانه: ]تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى[، وكان من
أسباب لعنتهم ما ذكره الله بقوله ]كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ
مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ[».
وقال
أيضاً في كتابه " هجر المبتدع " (ص48-49): «عقوبة من والى المبتدعة: كما
أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق فالساكت عن الحق شيطان أخرس، كما قال أبو علي
الدقاق (م سنة 406 هـ) –رحمه الله تعالى–. ومن السنن الثابتة قول النبي r: "المرء مع من أحب". وقد قال أنس t: "فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام، فرحهم بهذا
الحديث". وقد شدد الأئمة النكير على من ناقض أصل الاعتقاد، فترك هجر
المبتدعة. وفي معرض رد شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى– على الاتحادية
قال:
«ويجب
عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظّم كتبهم، أو عُرف
بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن: هذا الكلام لا
يدري ما هو، أو من قال: إنه صنف هذا الكتاب، وأمثال هذه المعاذير، التي لا يقولها
إلا جاهلٌ أو منافقٌ. بل تجب عقوبة كل من عَرَف حالهم، ولم يعاون على القيام
عليهم. فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات، لأنهم أفسدوا العقول والأديان على
خلق من المشايخ والعلماء، والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فساداً ويصدون عن
سبيل الله…». "الفتاوى" (2\132).
فرحم
الله شيخ الإسلام ابن تيمية وسقاه من سلسبيل الجنة –آمين–. فإن هذا الكلام في غاية
من الدقة والأهمية. وهو وإن كان في خصوص مظاهرة "الاتحادية"، لكنه ينتظم
جميع المبتدعة. فكل من ظاهر مبتدعاً، فعَظَّمَهُ أو عظَّمَ كتبه، ونشرها بين
المسلمين، ونفخ به وبها وأشاع ما فيها من بدع وضلال، ولم يكشفه فيما لديه من زيغ
واختلال في الاعتقاد – إن من فعل ذلك فهو مفرطٌ في أمره، واجبٌ قطع شره، لئلا
يتعدى إلى المسلمين. وقد ابتلينا بهذا الزمان بأقوام على هذا المنوال يعظمون المبتدعة
وينشرون مقالاتهم، ولا يحذرون من سقطاتهم وما هم عليه من الضلال. فاحذروا أبا
الجهل المبتدع هذا.نعوذ بالله من الشقاء وأهله» أهـ
قال
الشيخ العلامة سلمان بن فهد العودة في شريط "لماذا نخاف من النقد؟"
الوجه الأول: «تجد كثير من الناس مثلاً يخافون من النقد، لأنهم يفسرون النقد أو
يعتبرون النقد نوعاً من التنقص والبحث عن العيوب، وأنه لا يصدر إلا من إنسان مبغض
أو شاني أو حاسد أو حاقد. وهذا المفهوم بطبيعة الحال يجب تغييره، وأن يفهم الناس
أن الذي ينتقدك هو من يحبك. صديقك من صَدَقك، لا من صدَّقك».
يتمسك
فضيلة الشيخ القرضاوي بعبارة قالها الإمام محمد رشيد رضا –رحمه الله– في القرن
الماضي، وجعلها شعاراً لصحيفته "المنار"، ألا وهي: «نتعاون فيما اتفقنا
عليه، ويُعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه». وهذه عبارة جميلة وعليها مسحة
عاطفية، وقصد بها قائلها توحيد الأمة. لكنها عند التأمل و التطبيق الفعلي، تؤَصِّل
الفرقة و الخلاف في الأمَّة الواحدة.
أما
جزؤها الأول "نتعاون فيما اتفقنا عليه" فهذا لا إشكال فيه بشرط تقييده
بقوله تعالى ]وتعاونوا
على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[. و على أن لا يتم الاستعانة بمشرك في الحرب. أما الجزء الثاني
"و يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، فليس على إطلاقه بل فيه تفصيل.
إذ: ما حدود العذر؟ وما حدود الاختلاف؟ هل يدخل فيه الرافضة أو الأباضِيّة أو غلاة
الصوفية؟ و هل كل خلاف يُعذر صاحبه؟ الحقيقة أننا لو طبقنا هذه القاعدة بإطلاقها،
لما بقي مكان للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. إذ أنك لا تكاد تجد منكرا إلا و
تجد له مسوغاً –بشكلٍ أو بآخر– في أحد أقوال العلماء!
فالخلاف
منه ما هو سائغ، و هو ما كان مبنيا على اجتهاد صحيح في أصله بأن يكون من عالم و
بناء على دليل. مثل الخلاف في مدة قصر الصلاة أو بعض شروط المسح على الخفين. فهذا
يكون فيه العذر و يكون الإنكار فيه ببيان الدليل و توضيح الحجة دون شدة أو غلظة، و
لا يثرب على صاحبه –و لو كنا نعتقد خلافه– لأن قوله مبني على اجتهاد صحيح.
و
منه ما هو غير سائغ و يجب رده و إنكاره بالطريقة المناسبة. و ذلك مثل أن يكون
الخلاف في مقابل النص، أو أن يكون وجه الاستدلال غير صحيح، أو أن يكون الدليل نفسه
غير صحيح. مثل تسويغ البعض دعاء غير الله و تسميته توسلاً. فهذا الخلاف غير مقبول
و يجب على أهل العلم إنكاره، لأنه قول على الله بغير علم و بيانه من الميثاق الذي
أخذه على أهل العلم. وقد قال رسول الله r: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». و السكوت عنه يعمق الخلاف في الأمة. فإن هذه
الأقوال بدأت بشخص واحد أو أفراد قلائل، لكن لما لم يواجهوا بالإنكار انتشر الخطأ
و عم حتى صار كالسنة عند أتباعه لا يجوز إنكاره. فالسكوت عن بحث مواضع الخلاف و
تبيين الأخطاء يفضي على الأمد البعيد إلى تأصيل الفرقة و تقسيم الأمة إلى مذاهب، و
هو أيضا يفقد الأمة صفة من أهم صفات النجاح و الفلاح و هي (التواصي بالحق)، و هو
ما يحصل الآن.
إذن
الصواب أن تكون قاعدتنا: "نتعاون على البر و التقوى (و يدخل فيه تصحيح
الأخطاء) و لا نتعاون على الإثم و العدوان"، أو نقول "نتعاون فيما
اتفقنا عليه و ينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" [بقي أن أؤكد أنه يجب
الأخذ بالآداب الشرعية عند التعامل مع المخالفين، من أي نوع كانوا.]. وهذا ما قصده
الإمام رشيد رضا ومن بعده الإمام حسن البنا –رحمهم الله–.
قال
الإمام الشهيد حسن البنا ["مجموعة حسن البنا" (ص19)، طبعة المؤسسة
الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر ببيروت ط3.]: «موقفنا من الدعوات: وموقفنا من
الدعوات المختلفة –التي طغت في هذا العصر ففرقت القلوب وبلبلت الأفكار– أن
نزنها بميزان دعوتنا. فما وافقها فمرحباً به وما خالفها فنحن براء منه. ونحن
مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطة لا تغادر جزءاً صالحاً من أية دعوة إلا ألمّت به
وأشارت إليه». فهو لم يقبل دعوات الفرق الضالة كما يوهم بعض من ينتسب إليه اليوم.
لكن
الشيخ القرضاوي فيُحمّل عبارتهم ما لا تحتمل. ويفهمها بالمفهوم المغلوط. ويرد حديث
تفرق الأمم، ويسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكثيراً ما يستشهد بهذه
المقولة في علاقته مع إخوانه الرافضة، مع نسبتها إلى الشيخ رضا (الذي يسميه
القرضاوي إمام السلفية في مصر). مع العلم أن الشيخ رضا كان يكفر الرافضة، فهذا يدل
على أن القرضاوي يستشهد بها في غير معناها. وبالتالي فهذا تمسح من الدكتور
القرضاوي بكلام الأئمة وتحريف لأقوالهم.
أما
من أصرّ على أخذ هذا القول على ظاهره وإعذار الفرق الضالة جميعاً، فنقول له إن
المبدأ صار إذاً حُجّةً لليهود والنصارى عليك. قال الإمام ابن حزم الأندلسي في
كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " (3\112) ينقل حجج اليهود والنصارى:
«وقالوا أيضاً: قد اتفقنا على وجوب استعمال الخطاب على بعض ما اقتضاه، واختلفنا في
سائره، فلا يلزمنا إلا ما اتفقنا عليه!». قال ابن حزم: «الأمة مجمعةٌ والعقول
قاضيةٌ، والنصوص من القرآنِ والسُّنَنِ واردةٌ -كل ذلك متفقٌ- أن ما قام عليه
دليلٌ برهاني، فواجب المصير إليه وإن اختلف الناس فيه. وواجبٌ أن لا نقتصر على
أجمع عليه دون ما اختلف فيه، إلا في المسائل التي لا دليل عليها، إلا الإجماع
المجرّد المنقول إلى النبي r. وأيضاً: فقد قال تعالى: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى
الله والرسول[ (النساء:59). فأمر تعالى عند التنازع:
بالرد إلى القرآن والسنة. وأيضاً: فإن هذا من سؤالات اليهود! إذ قالوا: قد
وافقتمونا على نبوة موسى –عليه السلام– وخالفناكم في نبوة محمدٍ r. وهذا سؤال فاسد».
قد
يتساءل الكثير من الإخوة الأفاضل حول نوعية الرد. فهل الشدة مطلوبة أم لا؟ وهل
يكون الرد علنياً أو سرياً؟ وهل يعتبر التحذير من زلات العالم من الغيبة؟ نقول إن
الأمر فيه تفصيل كثير. فإن الرفق أولى من الشدة، لكن هناك حالات تكون الشدة فيه
أولى. أفلا ترى كليم الله موسى r كيف أنه
لما شاهد قومه يعبدون العجل، ألقى ألواح التوراة (حتى قيل أن بعضها تكسر)، وأمسك
بلحية أخيه هارون r (وهو نبي)
يجره ويعاتبه بغضب؟ فإن الغضب لمحارم الله محمود. وهناك من المواقف من لا تصحّ به
الشدة، كما أن هناك مواقف تحتاج لحزم لا يصلح معه الرفق.
قال
الحافظ ابن رجب –رحمه الله– في الحكم الجديرة بالإذاعة (34) في معرض كلامه عن بيان
خطأ من أخطأ: «من هنا ردّ الصحابة ومن بعدهم من العلماء على كل من خالف سنة صحيحة،
و ربما أغلظوا له في الرد. لا بغضاً له، بل هو محبوبٌ عندهم معظَّمٌ في نفوسهم. لكن
رسول الله r أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق».
وقال
العلامة المعلمي –رحمه الله– في التنكيل (1\52) في معرض كلامه عن الرد على المخطئ،
ما خلاصته: «ما يخرج مخرج الذم بدون قصد الحكم و يكون المقصود به إظهار كراهية ما
وقع من المدعو عليه و شدة الإنكار لذلك و مما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم، ما
يقصد به الموعظة و النصيحة. و ذلك كأن يبلغ العالم عن صاحبه ما يكرهه له، فيذمه في
وجهه أو بحضرة من يبلغه رجاء أن يكف عما كرهه له. و ربما يأتي بعبارة ليست بكذبٍ و
لكنها خشنة موحشة يقصد الإبلاغ في النصيحة. و ربما يكون الأمر الذي أنكره أمراً لا
بأس به، بل قد يكون خيراً، و لكن يخشى أن يجر إلى ما يكره. و قد يكون أمراً
مذموماً و صاحبه معذور، و لكن الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي
ذاك الأمر. و قد يكون المقصود نصيحةً الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر».
وأما
عن علنية الرد وعن جواز الغيبة فهذا يختلف باختلاف الموقف. وقد فصل العلماء فيها.
قال
الإمام النووي –رحمه الله– في "رياض الصالحين"، "باب ما يباح من
الغيبة": «اعلم أن الغيبة تـُباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا
بها، وهو ستة أبواب:». ثم ذكر منها: «الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم:
وذلك لوجوه: منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع
المسلمين، بل واجب للحاجة. ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته،
أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته. ويجب على المشاوَر أنه لا يخفي
حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنيَّة النصيحة. ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد
إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته
ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة. وهذا مما يُغْـلَـط فيه. وقد يحمل المتكلم بذلك
الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيّل إليه أنه نصيحة. فليتفطن لذلك. ومنها أن
يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما أن لا يكون صالحاً لها، وإما أن يكون
فاسقاً ومغفلاً ونحو ذلك. فيجب ذكر ذلك لمن عليه ولاية عامة، ليزيل ويولي من يصلح،
أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على
الاستقامة أو يستبدل به. الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته: كالمجاهر
بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور
الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرّم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون
لجوازه سبب آخر مما ذكرنا».
وأخرج
البخاري في صحيحه عن أمنا عائشة t: أن رجلاً
استأذن على النبي r، فلما رآه
قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة»، فلما جلس تطلَّق النبي r في وجهه، وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل، قالت عائشة t: «يا رسول الله حين رأيت الرجل، قلت كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه
وانبسطت إليه!». فقال رسول الله r: «يا
عائشة متى عهدتني فاحشاً؟! إنَّ شر الناس عند الله منزلةً، من تركه الناس اتقاء
شره». قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (10\452): «قال القرطبي: في الحديث
جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش أو نحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى
البدعة، مع جواز مداراتهم واتقاء شرهم، ما لم يؤدّ ذلك إلى المداهنة في دين الله».
وذكر
الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (2\249)، أن يوسف بن أسباط (من علماء
السلف) حذّر من بدعة أحد العلماء، فسأله رجل: «ما تخاف أن تكون هذه غيبة؟».
فأجابه: «لم يا أحمق؟ أنا خيرٌ لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم! أنا أنهى الناس أن
يعملوا بما أحدثوا، فتتبعهم أوزارهم. ومن أطراهم (أي مدحهم) كان أضرّ عليهم».
فالذي يمدح العالم المبتدع ولا يحذّر من بدعته، إنما يضرّه يوم القيامة، لأن الناس
تتبع بدعة ذلك العالم، ومن سنّ سنّةً سيّئةً كان عليه وِزر من اتبعها إلى يوم
القيامة.
قال الحسن: «ليس لأصحاب
البدعة غيبة». وقال سفيان بن عيينة: «صاحب الهوى في الدين ليس له غيبة». وقال ابن
عون: «كان ابن سيرين لا يرى لأصحاب الأهواء حرمة». وقال أبو الحارث الصائغ قلت
لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أن أصحاب ابن الثلاج محمد بن شجاع نلنا منهم ومن
أعراضهم، فنستحلهم من ذلك؟ فقال: «لا! هؤلاء جهمية، من أي شيء يُستَحَلّون؟!».
وقال ابن المبارك: المعلى بن هلا، هو إلا إنه إذا جاء الحديث يكذب. فقال أحدهم: يا
أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ قال: «اسكت. إذا لم نبيّن، كيف يُعْرَف الحق من الباطل؟».
وقال قتادة: «قال عمر بن الخطاب t:
"ليس لفاجرٍ حرمة". وكان رجل خرج مع يزيد بن المهلب، فكان الحسن إذا
ذكره هَرَته و هَرَته (أي طعن عليه)». وقال عبد الله بن المبارك:
إني لأمنحهم بُغضاً
علانيةً ولست أكتمه
في الصدر كتمانا
ولا أرى حُرمةً
يوماً لمبتدعٍ دهناً
يكــون له مـــني وإدهــانا
قال
الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي – رحمه الله – عن صفات من يتصدر للنقد والتعديل في
الرد الوافر (ص14): «والكلام في الرجال ونقدهم يستدعي أموراً في تعديلهم وردهم
منها:
1.
أن يكون المتكلم عارفاً بمراتب الرجال، وأحوالهم في الانحراف، والاعتدال، ومراتبهم
من الأقوال والأفعال.
2.
وأن يكون من أهل الورع، والتقوى، مجانباً للعصبية، والهوى، خالياً من التساهل،
عارياً عن غرض النفس بالتحامل، مع العدالة في نفسه، والإتقان.
3.
والمعرفة بالأسباب التي يجرح بمثلها الإنسان.
وإلا
لم يقبل قوله فيمن تكلم، وكان ممن اغتاب، وفاهَ بمحرمٍ. وإذا نظرنا في طبقات
النقاد من كل جيل، الذين قُبِلَ قولهم في الجرح والتعديل: رأيناهم أئمة بما ذُكِرَ
موصوفين، وعلى سبيل نصيحة الأمة متكلمين…» اهـ.
ولذلك
فإن التحدث عن الجماعات الإسلامية، والعلماء، له شروط كثيرة أهمها:
1-
التثبت من القول الذي نبغي الرد عليه، لأنه قد يجيء إنسان يقول: قرأت لفلان كذا
وكذا، أو سمعت منه كذا وكذا، فيسارع أحد الكتاب ويرد عليه دون أن يعود إلى ما كتب،
أو يعود إليه ليتبين صحة ما نسب إليه، وقد قيل: "آفة الأخبار رواتها".
ولقد علمنا الله هذا المبدأ المهم الذي لو أخذ الإسلاميون به، لتقلصت معظم
الخلافات الموجودة، فقال عز وجل: ]يا أيها الذين
آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ، فتصبحوا على ما
فعلتم نادمين[
(وفي قراءة متواترة: فتثبتوا) (الحجرات:6).
قال
الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى–: «إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال
والأفعال والرجال، يلزمه التحري في النقل. فلا يجزم إلا بما يتحققه. ولا يكتفي
بالقول الشائع. ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم
والصلاح. وإن كان في الواقعة أمر فادح، سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفاً في حق
المستور، فينبغي ألا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة، لئلا يكون وقعت منه فلتة.
ولذلك يحتاج المسلم أن يكون عارفاً بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم: فلا يرفع
الوضيع، ولا يضع الرفيع».
2- قراءة الكلام أو سماعه بنفس راضية، وروح طيب،
وقلب مطمئن، ليس بنية النقد، وقصد التجريح. وأن يحاول أن يلتمس لأخيه عذراً، ويجد
له مخرجاً. فإن وجد فبها ونعمت. وإلا فالحق أحق أن يتبع. وإرضاء الله غاية لا
تُترك. وإرضاء الناس غاية لا تُدْرك. ففضِّل ما لا يُترك على ما لا يُدرك. وخلو
الساحة الإسلامية من هذا الأمر قضية مؤسفة في واقعنا المعاصر. لقد استنبط سلفنا
الصالح من قوله تعالى: ]وإنه
لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد[ أنه لا يوجد كتاب غير كتاب الله لا يأتيه الباطل. فقالوا: «ليس
أحد بعد النبي r إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا
النبي r». وقال الإمام الشافعي: «أبى
الله أن يتم إلا كتابه». وقال العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان
كتاباً في يوم، إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن،
ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العِبر. وهو
دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر».
3-
هذه الأمور ذات بال، وحسبنا أن نعلم أن أعداء الإسلام يروجون الأكاذيب والأباطيل
الكثيرة عن الدعاة، وشعارهم اكذب واكذب عسى أن يصدقك الناس.
4- والمسلم من خُـلـُقِهِ التثبت في الرواية، وأن
يناقش الأمور، ولا ينقل إلا القضايا التي في نقلها فائدة وعائدة. وإذا أراد إنسان
أن يرد بعد الأخذ بهذه الضوابط، فعليه أن يحرص على الأدلة، وأن يستخدم الأساليب
الحسنة، والألفاظ الإسلامية، ويتجنب الكلمات النابية، وأن يقبل الحق إذا تبين له.
والمخلص أوّابٌ للحق. لأنه ضالته فحيثما وجده فهو أولى الناس به.
وللأسف
فإن من يتعرضون للنقد، كثيراً ما يقعون في أخطاء أشهرها:
1–
نقل الكلام دون تبيان متى وأين وتحت أي ظرف قيل! ليُعطي انطباعاً للقارئ أو السامع
خطأ وجرم ما قيل، بينما قد يكون هذا الكلام صحيحاً في حينه، أو أن قائله قاله في
مكان معيّن ينطبق عليه ما قيل، أو أن قائله معذورٌ للظرف الذي هو فيه ]إلا من أكره وقلبه
مطمئن بالإيمان[.
2–
الفرح بأخطاء الآخرين. وعدم الدعاء للمسلمين الخصوم أو المخالفين بالهداية
والمغفرة.
3–
تصوير النصر إذا حققه الآخرون بأنه هزيمة.
4–
وأسوء من هذا كله، حين يذكرون السيئات ويعرضون عن الحسنات. وهذا بلا ريب ظلمٌ
عظيم. قال الإمام ابن سيرين: «ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره» [الجامع
لأخلاق الراوي (2/202).].
وهذا
المنهج الذي يذكر السيئات ويكتب الحسنات، أسماه شيخ الإسلام ابن تيمية بمنهج
"الذباب" حين قال: «إن بعض الناس لا تراه إلا منتقداً داءً، ينسى حسنات
الطوائف و الأجناس و يذكر مثالبهم. فهو كالذباب: يترك مواضع البرء والسلامة، ويقع
على الجرح والأذى. وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج». وقال كذلك في مجموع
الفتاوى (28\209) مبيّناً المنهج الحق: «إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر
وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من
الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر».هذا طبعاً عند التقييم
الكلي للشخص وليس عند أي نقد. فالصحيح أن الناقد إن كان يريد أن يبين أخطاء
المنتقد، أو أن يرد على المخالف، فإنه لا يلزمه أن يذكر حسناته. ولكن يلزمه ذلك إن
كان يحكم على الناس وعلى الجماعات حكماً عاماً.
يقول
الشيخ ابن عثيمين مبيّناً الفرق بين الرد على المخالف، وبين الترجمة والتقييم:
«إذا تكلم إنسان في شخص، فإما أن يريد تقويمه: فهذا لا بد أن يذكر محاسنه ومساوئه،
ثم يحكم بما تقتضيه الحال: إن غلبت المحاسن أثنى عليه، وإن غلبت المساوئ أثنى عليه
شراً. أما إن كان يريد أن يرد بدعته، فلا وجه لكونه يذكر المحاسن. لأن ذكر المحاسن
في مقام الرد عليه، يجعله ضعيفاً وغير مقبول» [شريط مسجل في تاريخ 16/12/1416
هـ.].
وليحذر
أشد الحذر أن يكون نقده نتيجة عصبية سابقة أو نتيجة ردة فعل. وبخاصة من قول
المبتدعة «لا نكفّر إلا من كفرنا!!». قال شيخ الإسلام في الفتاوى (3/245): «هذا
وأنا في سعة صدر لمن يخالفني فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو
افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله،
وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتماً بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس
حاكماً فيما اختلفوا فيه».
اتفق أئمة السلف الصالح
على أن أهل البدع، حتى لو كانوا من أهل العلم والعبادة والزهد، فإنهم أسوء بمرات
من الفساق العصاة. ولذلك لأن أهل البدع إن قامت بهم أعمالهم، قعدت بهم عقائدهم.
قال الإمام التابعي سعيد بن جبير: «لأن يصحب ابني فاسقاً شاطراً سنياً، أحب إليَّ
من أن يصحب عابداً مبتدعاً»[الإبانة (133)]. وقال الإمام سفيان الثوري: «البدعة
أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يُتاب منها، وأما البدعة فلا يتاب
منها»[الحلية (7/26)]. وقال الإمام الشافعي: «لأن يلقى الله المرء بكل ذنب خلا
الشرك بالله، خيرٌ له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء»[تاريخ دمشق (51/309)].
وقال الإمام مالك: «لو أن رجلاً ركب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله، ثم تخلى
عن هذه الأهواء والبدع، دخل الجنة»[الحلية (6/325)]. وقال أبو بكر بن عياش –رحمه
الله–: كان عندنا فتى يقاتل ويشرب وذكر أشياء من الفسق، ثم إنه تقرأ ودخل في
التشيع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت يقول وهو يقول له: «لأنت يوم كنت تقاتل وتفعل من
تفعل، خيرٌ منك اليوم»[البدع لابن وضاح (86)]. فانظر إلى حال السلف الصالح، وكيف
آل إليه حالنا بعد ألف عام. فأين من ينكر على أهل الضلال بدعهم؟
ذهب الرجال المقتدى
بفِعالهم
والمنكرون لكل أمرٍ مُنكَرِ
ولا
شكّ أن مواجهة المنافقين والباطنية الرافضة حماية لديار المسلمين من أن تُغتال من
تحتها، كما قال الله تعالى: ]يا أيها النبي جاهد الكفار
والمنافقين[. قال ابن القيم في "زاد
المعاد" (3\5): «وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة..». إلى أن قال:
«فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار. وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل.
والقائمون به أفراد في العالم. والمشاركون فيه والمعاونون عليه –وإن كانوا هم
الأقلين عدداً– فهم الأعظمون عند الله قدراً..».
ولما
كان هؤلاء منضوين تحت صفوف المسلمين، فإن أمرهم قد يخفى على كثير من الناس، فكان
بيان حالهم واجباً. ولذلك قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (28/233):
«وإذا كان أقوام ليسوا منافقين ولكنهم سماعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى
ظنوا قولهم حقاً، وهو مخالف للكتاب. وصاروا دعاةً إلى بدع المنافقين، كما قال
تعالى: ]لو
خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً.. سماعون لهم[. فلا بد من بيان حال هؤلاء. بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم. فإن فيهم
إيماناً يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين. فلا
بد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضى ذلك ذِكْرُهم وتعيينُهم. بل ولو لم يكن قد
تلقوا تلك البدعة عن منافق، لكن قالوها ظانين أنها هدى وأنها خيرٌ وأنها دين. ولو
لم تكن كذلك لوجب بيان حالهم».
وأما
مواجهتهم من الخارج ؛ فلأن العدو لا يدخل عليك بيتك إلا إذا كانت منافذه مفتوحة أو
ضعيفة، والفرق الإسلامية المنحرفة عن الناجية هم منافذ الكفار، وهل يجهل المسلمون
أثر المتصوفة في استعمار البلاد الإسلامية وإعانتهم الكفار على ذلك؟ وقد قال ابن
تيمية في الشيعة الروافض في "منهاج السنة " (5/155-159): «وهم يستعينون
بالكفار على المسلمين. وقد رأينا –ورأى المسلمون– أنه إذا ابتلي المسلمون بعدوٍّ
كافرٍ، كانوا معه على المسلمين، كما جرى لجنكيز خان ملك التتر الكفار. فإن الرافضة
أعانته على المسلمين. وأما إعانتهم لهولاكو ابن ابنه لما جاء إلى خُراسان والعراق
والشام، فهذا أظهر وأشهر من أن يخفى على أحد. فكانوا بالعراق و خرسان من أعظم
أنصاره ظاهراً وباطناً. وكان وزير الخليفة ببغداد –الذي يقال له ابن العلقمي–
منهم. فلم يزل يمكر الخليفة والمسلمين، ويسعى بقطع أرزاق عسكر المسلمين وضعفهم،
وينهى عن قتالهم ويكيد أنواعاً من الكيد، حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يقال:
إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أو أكثر أو أقل. ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا
الخيل والسلاح والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص. وأخذوا من مرَّ بهم من
الجند. وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء».
ولذلك
اتفق أئمة السلف أن الدفاع عن السنة والرد على المبتدعة[ليس المقصود بدعة المولد
مثلاً كما قد يظن الجاهل. بل المقصود البدع الاعتقادية التي تفضي للكفر أو الضلال،
مثل بدعة المعتزلة أو بدعة الرافضة. وكلام السلف هذا غالبه عن بدعة خلق القرآن.
فانتبه جيداً لهذا.]، أولى من الجهاد والقتال ضد الكفار [هذا في حالة جهاد الطلب
كما كانت الحال أيام السلف، حيث الثغور مؤمنة، والجهاد فرض كفاية. أما جهاد الدفع
فهو أولى بلا أدنى شك. كيف لا وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة؟!]. قال يحيى بن
يحيى –شيخ البخاري ومسلم–: «الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد»["مجموع
الفتاوى" لابن تيمية (4\13).]. وقد رواه الهروي بسنده إلى محمد بن يحيى
الذهلي قال سمعت يحيى بن يحيى يقول: «الذّبُّ عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل
الله». قال محمد: قلت ليحيى: «الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا أفضل
منه؟!». قال: «نعم، بكثير!»["ذم الكلام" ق(111- أ).].
وقال
الحُمَيْدي –شيخ البخاري–: «والله لأن أغزو هؤلاء الذين يردّون حديث رسول الله r، أحب إلي من أغزو
عدتهم من
الأتراك»[رواه الهروي بسنده في"ذم الكلام" (228–الشبل).]، يعني
بالأتراك: الكفار. وقد قال مثل هذا من هو أعلى طبقة من الحميدي، فقد قال عاصم بن
شُمَيْخ: رأيت أبا سعيد -يعني الخدري t- بعد ما
كبر ويداه ترتعش يقول: «قتالهم –أي الخوارج– أجلّ عندي من قتال عِدَّتهم من
الترك». قال ابن حجر في الفتح (12/301): قال ابن هبيرة (في حديث أبي سعيد في قتال
الخوارج): «وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين. والحكمة فيه أن
قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح. وحفظ رأس المال
أولى».
وقال
أبو عبيد القاسم بن سلاّم: «المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل
من الضرب بالسيوف في سبيل الله»[تاريخ بغداد (12\410).]. وقال ابن القيم: «الجهاد
بالحجة واللسان، مقدمٌ على الجهاد بالسيف والسنان» [انظر شرح القصيدة النونية
للشيخ محمد خليل هراس (1\12)، وانظر كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن
تيمية (1\237).]. وقال العلامة التقي في مجموع الفتاوى (28\232): «ضرر أهل البدع
المكفرة المضلة على المسلمين، أعظم من ضرر اليهود والنصارى. فإن هؤلاء المبتدعة
يفسدون القلوب ابتداءً. وأما اليهود والنصارى وأهل الحرب لديار المسلمين، ففسادهم
للقلوب لا يكون إلا تبعاً». وفساد اليهود والنصارى ظاهر لعامة المسلمين، وأما أهل
البدع، فإنه لا يظهر فسادهم لكل شخص.
ولهذا
نبه العلماء إلى أن إنكار منكر المبتدعة أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، بل إن
أئمة الهدى يرون أن انتزاع مدرسة شرعية من مبتدع أفضل من انتزاع بلدة من الكفار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه نقض المنطق (ص156): «من الحكايات المشهورة
التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح (وهو من علماء الحديث) أمر بانتزاع مدرسة
معروفة من أبي الحسن الآمدي (من المتكلمين)، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا».
وكتب محقّق الكتاب (الشيخ حامد الفقي) في الهامش: «أي من الإفرنج أيام احتلالهم
لبعض بلاد الشام ومصر في المئة السادسة». وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى
(2\359) في سياق رده على غلاة الصوفية: «فهذه المقالات وأمثالها، من أعظم الباطل.
وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها، وأنه باطل. والواجب إنكارها، فإن إنكار هذا
المنكر الساري في كثير من المسلمين، أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، الذي لا
يضل به المسلمون».
وهذا
الإمام أحمد يرى أنه يستعان باليهود والنصارى (لقتال الكفار وليس المسلمين[انتبه
هنا إلى الفرق الشاسع بين الاستعانة بالكفار ضد المسلمين، وبين الاستعانة بالكفار
ضد الكفار. فالأول كفر بالإجماع. والثاني مسألة فرعية فيها خلاف، ولها ضوابط])،
ولا يستعان بالجهمية، قال المروزي للإمام أحمد: أيُستعان باليهود والنصارى وهم
مشركون، ولا يُستعان بالجهمي؟ قال: «يا بني، يغتر بهم المسلمون» [الآداب الشرعية
لابن مفلح (1\256).]. قلت فانظر إلى ما اغتر به السذج اليوم بقتال الرافضة من
أعضاء حزب اللات. فرحم الله الإمام أحمد بن حنبل، وجمعنا الله وإياه في الآخرة.
أخرج
البخاري في صحيحه أن رسول الله r قال: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا
أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ
اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلا
صَرْفٌ»[أي لم يقبل منه لا فرض ولا نافلة.]. وأخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله r قال: «لَعَنَ
اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا». و المُحدِث هو المبتدع، كما قال رسول
الله r في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: « وَشَرُّ الْأُمُورِ
مُحْدَثَاتُهَا. وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ».
وأخرج
البخاري ومسلم في صحيحيهما عن حُذيفة بن اليمان t أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن
الشر، مخافة أن يدركني. فقلت: «يا رسول الله. إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله
بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟». قال: «نعم». قلت: «وهل بعد ذلك الشر من
خير؟». قال: «نعم، وفيه دَخَن». قلت: «وما دَخَنُه؟». قال: «قومٌ يهدون بغير هديي،
تعرف منهم وتنكر». قلت: «فهل بعد ذلك الخير من شر؟». قال: «نعم! دعاةٌ على أبواب
جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: «يا رسول الله، صِفهم لنا». قال: «هم من
جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: «فما تأمرني إن أدركني ذلك؟». قال: «تلزم جماعة
المسلمين وإمامهم». قلت: «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟». قال: «فاعتزل تلك
الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».
و
روى اللالكائي و ابن بطة عن صلة بن زفر عن عبد الله بن مسعود t أنه قال: «يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا –يعني مفصل الأصابع–،
فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى». وهاهم في زماننا تركوا السنة و جاءوا
بالطامات الكبار، و ما زالوا يقولون «نعمل فيما اتفقنا عليه، و يعذر بعضنا بعضا
فيما اختلفنا عليه»، و الله المستعان.
روى
ابن أبي شيبة في المصنف و الدرامي في السنة و اللالكائي عن عمر بن الخطاب t قال: «إياكم و أصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن: أعيتهم الأحاديث
أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا و أضلوا». و روى مسلم في صحيحة عن يحيى أنه قال
لعبد الله بن عمر t: «إنه ظهر
قبلنا ناس يقرؤون القرآن و يتفقون العلم، و ذكر من شأنهم و أنهم يزعمون أن لا قدر،
و أن الأمر أنف»؟ قال ابن عمر t: «فإذا
لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم و أنهم برآء مني. و الذي يحلف به عبد الله بن
عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قَبِل الله منه حتى يؤمن بالقدر».
و
السلف الصالح –رضي الله عنهم– لم يقفوا في محاربة أهل البدع و الضلال –قاتلهم
الله– بالرد عليهم و بيان باطلهم، بل أخذوا يحذرون الناس من مجالستهم أو محادثتهم
أو التبسم إليهم أو السلام عليهم أو رده عليهم. بل و يحذِّرون أيضاَ من مجاورتهم
في الدور، كما ورد عن أبي الجوزاء –عند اللالكائي و ابن بطة– أنه قال: «لأن
يجاورني قردة و خنازير، أحب أن يجاورني أحد منهم»، يعني أصحاب الهوى.
و
روى الدرامي و ابن بطة عن الحسن –رحمه الله– أنه كان يقول: «لا تجالسوا أهل
الأهواء، و لا تجادلوهم، و لا تسمعوا منهم». و عن الفضيل بن عياض –رحمه الله– قال:
«من أتاه رجلا فشاوره فدله على مبتدع، فقد غش الإسلام. و احذروا الدخول على أصحاب
البدع، فإنهم يصدون عن الحق». و قال الإمام عبد الله بن المبارك لإسماعيل الطوسي:
«إياك أن تجالس صاحب البدعة».
و
عن أبي داود صاحب السنن –رحمه الله– قال: «رأيت أحمد (أي الإمام ابن حنبل) سلّم
عليه رجل من أهل بغداد ممن وقف -أي من الواقفة الذين وقفوا في مسألة خلق القرآن-
فيما بلغني، فقال له: اغرب لا أراك تجيء إلى بابي، في كلام غليظ، و لم يرد عليه
السلام. و قال له: و ما أحوجك أن يُصنع بك كما صنع عمر بن الخطاب t
بصبيغ! و دخل
بيته، و ردّ الباب».
رحم
الله أحمد بن حنبل و سائر أئمة السلف، ما أصلبهم على الحق، و ما أشدهم على الباطل
و أهله. و لذلك حفظ الله الدين بهم. أما زماننا فقد اختلط فيه الأمر، و ضاع الحق
في الباطل، فلا تمييز بين سني و بدعي. و لو قلت لأحدهم: اتق الله، و لا تجلس مع
فلان لأنه صاحب بدعة، قال لك: اتق الله أنت، و لا تقع في أعراض المسلمين!
وإليك بعض مواقف السلف في
هجر أهل البدع: قال مغيرة: تحول جرير بن عبد الله وحنظلة وعدي بن حاتم –رضي الله
عنهم أجمعين– من الكوفة إلى قرقيسيا. وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان رضي
الله عنه [تاريخ دمشق (39\510)]. وقال ابن بطة العكبري: «لا تشاور أحداً من أهل
البدع في دينك، ولا ترافقه في سفر. وإن أمكنك أن لا تقاربه في جوارك»[الإبانة
الصغرى (282)]. وقال عن أحمد بن سفيان: «إذا جاور الرجل صاحب بدعة، أرى أن يبيع
داره إن أمكنه، وليتحول. وإلا هلك ولده وجيرانه. واستدل بحديث: "من سمع منكم
بالدجال فلينأ عنه –قالها ثلاثاً–، فإن الرجل يأتيه وهو يرى أنه كذاب، فيتبعه لما
يرى من الشبهات"»[الإبانة (2\469)]. وقال أبو الجوزاء: «لأن تمتلئ داري قردة
وخنازير، أحب إلي من أن يجاورني رجلٌ من أهل الأهواء» [ذم الكلام (790)]. قال
القاضي أبو يعلى: «خرج أبو القاسم الخرقي الحسين بن عبد الله من مدينة السلام لما
ظهر سب الصحابة بها [تاريخ بغداد (11\234)]. قلت فقارن ذلك مع الذين يدعون إلى
التقارب مع الرافضة!
قال
سفيان الثوري –رحمه الله–: «من ماشى المبتدعة عندنا؛ فهو مبتدع». و عن ابن عباس t في تفسير قوله تعالى: ]يوم تبيض وجوه وتسود وجوه[ قال: «فأهل السنة و الجماعة أولو العلم، و أما الذين اسودت وجوههم
فأهل البدع والضلالة». نسأل الله العفو و السلامة من هؤلاء الذين يعملون مع
المشركين و المبتدعة في خندق واحد.
إن
أحد انتكاسات المفاهيم في هذا العصر –إضافة لغيرها من الانتكاسات– انتكاسة مفهوم
"ميزان الرجال". فقد أصبح الرجل يوزن بكثرة عمله لا بصحته، وبضخامة
مؤلفاته لا بموافقتها للسنة. فلم يعد يوزن الرجل بميزان الكتاب والسنة، بل بميزان
الأهواء والله المستعان. وقد قال عبد الله بن مسعود t: «اقتصادٌ في سُنّة، خيرٌ من اجتهادٍ في بِدعة». وسوف أذكر فيما
يلي بعض الأمثلة للدلالة على فساد هذا الميزان المنتكس:
نشأة
الخوارج: ولدت
فرقة الخوارج بعد معركة (صفين) بين علي ومعاوية –رضي الله عنهما–.
سبب
نشأتهم: حمية
(غير موزونة بالكتاب والسنة) لحكم الله تعالى، ورفضاً لتحكيم آراء الرجال، وقالوا
كلمتهم المشهورة «لا حكم إلا لله» (وهي كلمة حق أريد بها باطل).
من
أعمالهم: قاوموا
الظلم في وقت بني أمية، وكسروا رايات الحجاج مرات ومرات، بل وحاصروه في الكوفة
بقيادة "غزالة الحرورية". وفيه يقول الشاعر:
أسَـدٌ عليَّ وفي الحروب نعامـة
*** فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى؟
*** بل كان قلبك بين رجلي طائر
دينهم
وعبادتهم: يكفي
في ذلك وصف أصدق الناس، نبينا r –كما ثبت
في الصحيح– حيث قال (مخاطبا الصحابة): «تحقّرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند
صيامهم، وقراءتكم عند قراءتهم». فما رأيك بعبادة يحتقر الصحابة (وهم أفضل الخلق
بعد الأنبياء) عبادتهم عندها؟! وقال ابن عباس t لما ذهب إلى مناظرتهم: «فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة
القرآن».
شجاعتهم: يكفي قراءة كتب التاريخ في وقت
بني أمية لتعلم شجاعتهم الخارقة وأن الرجل منهم كان يكسر الكتيبة من الجنود. وانظر
ترجمة (شبيب بن يزيد الشيباني) وكيف كسر مع مئة وعشرين رجل من أتباعه خمسة قواد مع
جيوشهم أرسلهم الحجاج لمقاتلته. وكل هذا كان حمية لله سبحانه (برأيهم) وحربا للظلم
ومطالبة بتحكيم الشرع.
صدقهم: كانوا من أصدق الفرق
الإسلامية، لذلك كان أئمة الحديث (بما فيهم البخاري) يخرجون لبعض هؤلاء لصدقهم في
الحديث. وكيف لا وهم يرون الكذب كفراً؟
حكمهم: أما في ميزان الشرع،
فقد حكم فيهم أصدق الخلق r حيث قال:
«يخرجون من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية». وقال: «لئن لقيتهم لأقلنهم قتل
عاد». وقال: «شر قتلى تحت أديم السماء». وقال: «كلاب النار». وقال: «لو يعلم الذين
يقتلونهم ما لهم عند الله، لاتكلوا عن العمل» وغيرها من الأحاديث. وأجمع الصحابة
كلهم على قتالهم. وبوّب المحدّثون في كتبهم "باب قتال الخوارج". وأخرج
مسلم –رحمه الله– أحاديث الأمر بقتالهم من عشرة طرق، وأخرج البخاري بعضها.
أما
في الميزان المنكوس (كثرة العمل لا صحته): فهؤلاء لهم جهود طيبة في
الإسلام: هم من أكثر الناس عبادة وقراءة للقرآن، ومن أكثرهم مطالبة لتحكيم
الشريعة، ومن أكثرهم قتالاً للظالمين، ومن الزهّاد في الدنيا، ومن أهل الورع. فهذه
الأمور كلها تشهد لهم بأنهم صحيحوا الدين والمنهج، لا كما يقول المتشددون. فهذه
عبادتهم، فاعبدوا الله كعبادتهم، أو اصمتوا!!!!
كان
في أول أمره من تلاميذ الحسن البصري (وهو من كبار أئمة التابعين)، ثم تأثر بواصل
بن عطاء وصار من كبار دعاة المعتزلة. وكان عنده علم كثير وخلُقٌ حسنٌ، حتى قال عنه
الحسن البصري: «هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدِث»، أي لو لم يكن من المعتزلة.
وكان من أعظم الناس عبادةً في زمانه، ومن أكثرهم زهداً. وكان من الذين يناصحون
السلطان ولا يخافون سيفه ولا يرجون دنياه، حتى قال فيه الخليفة أبو جعفر المنصور:
كلكم يمشي رويد *** كلكم يطلب
صيد *** غير عمرو بن عبيد
أما
حكمه في ميزان الشرع: فانظر إلى كلام السلف فيه وشتمهم له وتحذيرهم منه
وهجرهم له في كتب الرجال[2].
ويكفي في ذلك قول الإمام أبي حنيفة: «لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس
الطريق إلى الكلام فيما لا ينفعهم من الكلام» [ذم الكلام للهروي (28–31).]. بل إن
بعض السلف قد فضّل الحجّاج الفاسق الفاجر –على ظلمه وبطشه– على عمرو بن عبيد، لا
لشيءٍ إلا بسبب بدعة عمرو. قال سلّام بن أبي مطيع: «لأنا أرجى للحجاج بن يوسف مني
لعمرو بن عبيد. إن الحجاج بن يوسف إنما قتل الناس على الدنيا. وان عمرو بن عبيد
أحدث بدعةً، فقتل الناس بعضهم بعضاً» [تاريخ بغداد (12\182) وسير الأعلام
(6\105).]. بل روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (12\172): أن الإمام يونس بن
عبيد وقف ومعه ابنه على عمرو بن عبيد. قال فأقبل على ابنه فقال له: «يا بنيّ،
أنهاك عن السرقة. وأنهاك عن الزنا. وأنهاك عن شرب الخمر. والله لأن تلقى الله
بهنّ، خيرٌ من أن تلقاه برأي هذا وأصحابه». يُشير إلى عَمرو بن عبيد. قال فقال
عمرو: «ليت القيامة قامت بي وبك الساعة». فقال يونس بن عبيد: ]يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها
والذين آمنوا مشفقون منها[. وقال
عاصم: جلست إلى قتادة (إمام البصرة في زمانه)، فذكر عمرو بن عبيد، فوقع فيه. فقلت:
«لا يا أبا الخطاب. إني أرى العلماء يقع بعضهم في بعض». فقال: «يا أحول! أوَ لا
تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعةً، فينبغي لها أن تُذكر حتى تُحذر؟». فهذا حكم
أئمة السلف في ذلك المبتدع. لم ينفعه لا زهده ولا أخلاقه ولا عبادته ولا وعظه
للسلطان، لأن عقيدته فاسدة.
وأما
حكمه في الميزان المنكوس: فرجل هذه فضائله وعبادته وزهده، لا بد أن يكون
محقاً! فافعلوا كفعله وازهدوا كزهده أو اصمتوا، فمن أنتم؟
أسلم
على يديه خلق كثير من الكفار، وله مؤلفات كثيرة في الرد على اليهودية والنصرانية
والمجوسية والفلاسفة والسفسطائية. وأتى يهودي إلى البصرة فأفحم علماءها، وما أفحمه
إلا أبو الهذيل.
أما
حكمه في ميزان الشرع: فانظر كلام السلف في تبديعه و تكفيره، بل حتى المعتزلة كفره
كثير منهم[3].
وأما
حكمه في الميزان المنكوس: فله جهود في الدعوة، والرد على أعداء الإسلام، والذود عن
حياضه. ودخل على يديه الكثير من الكفار. فهو من رموز الإسلام، وعلمائه الأعلام،
فمن أنتم كي تتكلموا على هذا العالم الفريد؟!!
أنار
الدنيا بالكهرباء، واخترع الحاكي، وخدم العالم، والعلم.
أما
حكمه في ميزان الشرع: فهو كافر ملعون نرجو له الخلود في جهنم.
وحكمه
في الميزان المنكوس: لا تستغربوا هذا المثال، فقد خرج علينا أحد هؤلاء العقلانيين
(وهو الهويدي) يقول: «ألا يكون فعله هذا في إنارة الدنيا بالكهرباء كافياً في
إدخاله الجنة؟!».
)غير مكتمل)
إن
منهج أهل السنة هو ذكر المحاسن والمساوئ معاً عند تقييم الشخص. ولذلك يقول العالم
جملة صغيرة في مدح القرضاوي قبل أن يوضح بدعه. فيقتطع أتباعه هذه الجملة ويهملون
باقي الكلام! هذا علاوةً على افتقار هذه الأقوال للتوثيق. وهذا شيءٌ متوقع. لأنك
لو رجعت إلى مصادر تلك الأقوال، لوجدت غالبها بجانبه الذم الكثير والانتقادات
اللاذعة. فحذفوها وأخذوا ما يريدون وحذفوا المصادر إمعاناً في إخفاء الحقائق. قال
الإمام وكيع –رحمه الله–: «أهل العِلم يكتبون ما لهم و ما عليهم. و أهل الأهواء لا
يكتبون إلا ما لهم».
هذا
شيء. الشيء الآخر أن كتب القرضاوي القديمة فيها الكثير من الأشياء النافعة التي لا
ينكرها أحد. ولذلك دافعت عنه طويلاً من قبل. ولكن لما كبر وفتحت له قناة الجزيرة
العلمانية أبوابها العريضة، وبعدما كبر واختلط، جاء بتلك الطوام العظام. فمن مدحه
قديماً لا يصح الاحتجاج بقوله اليوم، لأنه لم يطلع على تلك الانحرافات. وكثيرٌ من
هؤلاء أيضاً من غير العلماء، ولا من المختصين بالشريعة، فلا قيمة لشهادتهم. وإليك
بعض هذه الأقوال مع التعليق عليها:
·
قال
الشيخ عبد المجيد الزنداني: «القرضاوي عالمٌ مجاهد». قلت: هذه طرفة ظريفة. فمتى
كان القرضاوي يحمل السلاح ويجاهد؟ لكن للإنصاف يجب أن نقول أنه ذهب فعلاً
لأفغانستان، ليس لجهاد الشيوعيين، لكن ليتوسط لعدم هدم تمثالي بوذا!
فمن ذلك يتبين أن ما قاله المفتونون بالشيخ
القرضاوي من كلمات مبهرجة، ما هي إلا هباءً منثوراً. وخصوصاً أن عامة أصحاب
الشهادة، هم من الذين لا باع لهم ولا تضلّع، بل ولا معرفة في علوم الدين. وكما
قيل: الحداد لا يشهد لعطار، والعطار لا يشهد لنجار!
وينتسب الشيخ القرضاوي لكثير من المنظمات
الإسلامية في أنحاء العالم. مع العلم أن غالب هذه المنظمات التي ينتمي لها، إنما
هو عضو شرف بها. أي يضيفون اسمه للائحة الأعضاء، مقابل ترضية مالية أو غيرها.
وتستفيد هذه المنظمة من إسم الشيخ. وهذه المنظمات لم أجد فائدة من ذكرها أصلاً.
الدكتور يوسف القرضاوي. هذه الشخصية اعرفها منذ زمن
بعيد. الذي كنت أعرفه عن هذه الشخصية هو أنه كان عالماً بارزاً من علماء الأمة
الإسلامية. عرف عنه فقهه واجتهاده وخدمته للإسلام والمسلمين. لكن ما الذي غيره؟ ما
الذي جعله يفتي بفتاوى تعرف معارضتها للشرع من أول نظرة؟ حتى إن العوام أصبحوا ينتقدونه
ببعض الفتاوى التي تعلم من الدين بالضرورة. هل تغير بفعل كبر السن؟ هل تغير بفعل
الشهرة؟ هل تغير بفعل المناصب؟ هل تغير بفعل ضغوط داخلية وخارجية؟ هذا ما سنحاول
الوصول إليه من أقوال العلماء الأفاضل.
أنبأنا
الشيخ ناصر الفهد قال حدثني الشيخ سعد الحميد قال: كنا في مجلس مع الشيخ سفر
الحوالي وطرحت قضية القرضاوي، فتكلم فيها الشيخ سفر بكلام جيد. وكان مما قاله: «إن
القرضاوي هذه آراؤه من أكثر من 35 سنة ولكن انتشرت في الآونة الأخيرة بسبب التطور
في وسائل الاتصال». وقال: «إنه يجب الرد عليه بقوة لأن جميع الردود التي قرأتها
إلى الآن ردود ليست بمستوى خطر فتاواه ومنهجه». وهذه الجلسة حضرها من المشايخ:
الشيخ سفر الحوالي والشيخ سعد الحميد والشيخ ناصر العمر والشيخ عبد العزيز الجليل
وغيرهم، في شهر ذي الحجة من عام 1420 في الرياض، في منزل أحد المشايخ. وللأسف لم نسمع
أي رد من الشيخ الحوالي ربما بسبب انشغاله بما هو أهم أو بسبب الحظر المفروض عليه.
قال
فضيلته بعدما سُئل عن القرضاوي: «يوسف القرضاوي دراسته أزهرية [لا أدري ماذا قصد
الشيخ هنا. فكلنا نعلم أن الكثير من علماء أهل السنة والجماعة قد تخرجوا من الأزهر
ودرسوا الكتاب والسنة هناك. ولعل الشيخ أراد أن يقول شيئاً فخانه التعبير، خاصة أن
المصدر هو شريط صوتي، والله أعلم.] و ليست دراسة منهجية على الكتاب و السنة. و
يفتي الناس بفتاوى تخالف الشريعة. و له فلسفة خطيرة جداً، إذا جاء الشيء محرَّم في
الشرع، يتخلص من التحريم بقوله: ليس هناك نص قاطع في التحريم. و لذلك أباح الغناء.
و أباح لذاك الإنجليزي الذي كان أسلم –وهو من كبار المغنين البريطانيين– أن يظل في
مهنته، و أن يأكل من كسبه. و ادعى القرضاوي بأنه ليس هناك نص قاطع بتحريم الغناء
أو آلة الطرب. و هذا خلاف إجماع علماء المسلمين، أن الأحكام الشرعية لا يشترط فيها
النص القاطع. بدليل أنهم –ومنهم القرضاوي– يقول: الأدلة الكتاب و السنة و الإجماع
و القياس. و القياس ليس دليلاً قاطعاً لأنه اجتهاد. و الاجتهاد معرض للخطأ و
الصواب كما هو في الحديث الصحيح. لكنه جاء بهذه النغمة أنه لا يوجد دليل قاطع لكي
يتخلص، و تحلل من كثير من الأحكام الشرعية. و الرسول يقول: "لعن الله آكل
الربا و موكله و كاتبه و شاهديه". فلا يجوز أبداً أن يستفيد المسلم من مال
حرام بحجة أنه لم يأكل الربا. و الحديث يقول: "لعن الله آكل الربا و موكله و
كاتبه و شاهديه". أما بناء المساجد من الأموال الربوية فالرد عليه بقوله
–عليه الصلاة و السلام–: "إن الله طيّبٌ لا يقبل إلا طيباً". و أن الله
أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ]يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و
اعملوا صالحا[. ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يرفع
يديه يقول يا رب يا رب و مأكله حرام و مشربه حرام و ملبسه حرام و غذي بالحرام فأنى
يستجاب لذاك؟ هذه الأحاديث كلها ترد على القرضاوي و أمثاله ممن يفتون بآرائهم على
طريقة الآرائيّين قديماً» [من شريط "صوفية حسن البنا والقرضاوي".].
وقد
بلغنا أن الشيخ الألباني –رحمه الله– عندما سئل عن الغناء فذكروا له يوسف
القرضاوي، فقال الشيخ الألباني عن القرضاوي: «إقرضه قرضاً»، فعندها قال كلام الشيخ
عن الغناء وعن كتاب الحلال والحرام. فمن أراد الاستماع فليرجع إلى الشريط المُسمّى
"تحريم الغناء" للشيخ الألباني. والله أعلم.
وجّه
للشيخ السؤال التالي: ما رأي الشيخ –حفظه الله– في الذين يطعنون بالشيخ يوسف
القرضاوي؟ هل هم على الحق؟ أم يجب التحذير منه؟ وبعضهم يصفه بأوصاف شنيعة، فهل
الرجل مجتهد أم يحذر منه ومن فتاواه؟
أجاب
فضيلة العلامة سلمان العودة بقوله: «تهذيب الألفاظ من سيماء الأخيار. وقد قال
الشافعي للربيع: اكسُ ألفاظك. والشيخ له فضله وعلمه. لكن تفرده الإعلامي جعله
يتكلم في مسائل كثيرة تتطلب الأناة والتروي والمدارسة الجماعية. وقد قال بعض
السلف: لأن أرده بِعَـيِّـهِ أحَبُّ إليَّ من أن أقول ما لا أعلم».
قلت:
والجملة الأخيرة معناها أن السلف كانوا ينهون عن إجابة السائل بغير علم حتى لو لم
يكن هناك أحد قادر على إجابته.
ويرى
فضيلة الشيخ المحدث بسام بن عطية فرج أن أفكار القرضاوي التي وضعها في كتبه
القديمة كانت جيدة. لكن الانحراف حدث بسبب أنه يعيش سنين طوال مترفاً في نعيم حكام
قطر. كما أن القرضاوي قد كبر وشاخ واختلط، والعالم إذا اختلط وجب طرح كل شيء جديد
يكتبه.
عُرِض
هذا السؤال عل فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: «فقد كثر في
الآونة الأخيرة تساهل يوسف القرضاوي مفتي قطر. وبذلك يدعو للتقريب مع الرافضة، و
جواز التمثيل مع النساء والرجال، ودفاعه عن أهل البدع من الأشاعرة وغير لك؟ فما هو
نصيحتكم تجاه هذه الفتاوى التي تصدر أمام الناس؟».
فأجاب
فضيلة الشيخ: «لا شك أن هذا الرجل معه هذا التساهل. سبب ذلك أنه يريد أن يكون
محبوباً عند عامة الناس. حتى يقولوا أنه يسهل على الناس، وأنه يتبع الرخص ويتبع
اليسر. هذه فكرته. فإذا رأى أكثرية الناس يميلون إلى سماع الغناء قال: إنه ليس
بحرام. وإذا رأى أن أكثر الناس يميلون إلى إباحة كشف المرأة وجهها، قال: إن هذا
ليس بحرام، أنه يجوز لها كشف وجهها عند الأجانب. وهكذا فلأجل ذلك صار يتساهل حتى
يرضي أكثرية الناس. فنقول لك لا تستمع إلى فتاواه، وعليك أن تحذرها، وأن تتمسك
بالحق وتعرفه. والحق –والحمد لله– واضح، والأدلة عليه كثيرة. وكون هؤلاء –هو أو
غيره– يسعون في التقريب مع الرافضة، ومع المبتدعة، حتى مع الكفار كالنصارى
واليهود، هذا من زلاتهم، ولا يجوز أن نقلدهم في خطاياهم وزلاتهم. في الحديث:
"اتقوا زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن". فقيل: كيف نعرف أن العالم
يزل؟ فقال: "إذا رأيتم منه أو سمعتم منه الكلمة التي تستنكرونها وتعجبون
منها، إنها من زلة العالم"».
هناك
الكثير من الآراء لكني اخترت منها ما هو منطقي قد يقبل الصحة. وهناك بعض العلماء
قد طرح أسباباً ليست موضوعية، مثل قول الشيخ مقبل الوادعي عن سبب انحراف الشيخ
القرضاوي: أن الشيطان قد تفرغ له ليلقي له شبهاته. وهذا لا يعلمه إلا من أطلعه
إبليس على سره. أما نحن فيكفينا ما نقلناه آنفاً من أقوال العلماء التي خلاصتها
كالآتي:
1–
أن أفكار الشيخ القرضاوي المنحرفة قديمة، لكنها ظهرت الآن بسبب ما توفر له من
تسهيلات كبيرة من جهات مجهولة على الفضائيات والمؤتمرات والإنترنت وغيرها، مما لا
يتوفر لأي عالم آخر.
2–
السبب هو أن الشيخ القرضاوي يتسرع في الإجابة في المسائل المعضلة التي تتطلب
الأناة والتروي والمدارسة الجماعية. وهو كثيراً ما يفتي بالرأي بدون علم ولا تأني.
وأقول لعل هذا من أسباب كثرة التناقضات في فتاواه. فلا تجد عنده فتوى إلا وقد أفتى
بنقيضها.
3–
الشيخ القرضاوي يسعى بكل ما أوتي من قوة لكسب أكبر قدر من الشعبية. فهو مستعد لأن
يفتي بأي شيء يرغبه الجمهور وفق قاعدة الشهوات تبيح المحظورات. أقول وهذا تبرير
قوي لتناقض فتاواه. إذ الهدف من الفتوى إرضاء جميع الناس باختلاف أمزجتهم.
4–
الشيخ بعد خروجه من مصر واستقراره في نعيم حكام قطر وبذخهم عليه، فلم يعد من
الممكن عليه مخالفتهم في القضايا المصيرية. فرجع عن كثير من أفكاره مثل تكفير من
لا يحكم بما أنزل الله، وقضايا الجهاد، وقضايا الولاء والبراء، وغير ذلك.
5–
الشيخ بعد أن كبر وشاخ فإنه اختلط عقلياً فجاءت تلك الأفكار المنحرفة. وبالتالي
وجب ترك كل كتبه وفتاواه الجديدة.
الذي
لاحظته أن أكثر الذين تحدثوا عن فضيلة الشيخ، يذكرون فتاوى معينة ويناقشونها –سواء
كانوا موافقين له أم مخالفين– دون النظر في المرجعية والأصول التي يعتمد عليها
الشيخ فيما يصدره. وهذا ليس بدقيق، فلا بد من أن ندخل المنهج الأصلي الذي يستند
إليه فضيلة الشيخ في فتاواه. ففضيلة الشيخ القرضاوي ينتمي إلى المدرسة الفقهية
التيسيرية العصرانية، والتي من سماتها:
1–
التحبب لعامة الناس بمحاولة تقليص المحرمات وتسهيل التكاليف بأكبر قدر بما يسميه
(فقه التيسير). ولذلك تجد فتاواه تتفق مع أهواء العامة في الغالب، مما أكسبه شعبية
كبيرة. ولذلك تجده يتودد لجميع التيارات والفرق.
2–
الاعتماد على آراء الفقهاء –وهذا ناتج قلة البضاعة في علم الحديث، وعدم التمييز
بين صحيحه وسقيمه– مما يجعلهم يحتفون بها أكثر من احتفائهم بالنص. فتراهم أحيانا
يتتبعون شواذ الأقوال وسقطها.
3–
التأثر –ولو من بعيد– بفكر المتكلمين الذين يرون تقديم العقل على النص في حالة
التعارض –حسب زعمهم– كما هو عند المعتزلة، مما نتج عنه سقوط هيبة النص عند قطاع
عريض منهم.
4–
الانهزام النفسي أمام الانفتاح الحضاري المعاصر على الغرب، مما يجعل بعضهم يستحي
من بعض أحكام الإسلام، فيبحث لها عن تأويلات وتعليلات قد تكون باردة في أغلب
الأحيان، وذلك خوفاً من طعن الغربيين في الإسلام، وحرصاً على مصلحته.
وسآتي
بأدلة كثيرة وافية عن كل نقطة من هذه النقاط، وبعد ذلك أناقش تلك الأمثلة بعونه
سبحانه وتعالى.
وأما
لماذا اخترت فضيلة الشيخ القرضاوي حتى أكتب عنه كتابي فلأن هذا الرجل سخرت له من
الإمكانات ما لم تسخر لغيره. فله برنامج في قناة الجزيرة القطرية وقناة أبو ظبي
(وهذا كل أسبوع)، وله موقعان ضخمان في الإنترنت، هذا عدا مشاركاته في المؤتمرات
(الإسلامية والنصرانية والتقريبية) في مختلف أنحاء العالم. عدا عما يكتبه في
المجلات والصحف وغيرها، وعدا عن الكتب الكثيرة التي كتبها.
هذا
سبب اختيار اسمه على غلاف الكتاب، وإلا فالكتاب ليس بالأصل مكتوب للرد عليه. بل
الحقيقة هو في الأصل مجموعة رسائل في مواضيع مختلفة، ثم رأيت جمعها في كتاب واحد
لمناقشة زلات بعض العلماء في بعض القضايا. ولذلك تجد في هذا الكتاب الحديث عن كثير
من الشخصيات غير فضيلة الشيخ القرضاوي. وإنما الحديث عنه أكثر من غيره لانتشار
آراءه وكثرة غرائبه وكونه لم يترك باباً إلا وتكلم فيه.
1– تفاوت
العقول في الإدراك. وهذا أمرٌ مسلّمٌ لا خلاف فيه. لذلك نجد الرجل الغبي والرجل
الذكي.
2– اختلاف
التفكير نتيجة اختلاف البيئة ونوع التعليم
في
القرآن الكريم آية واضحةً محكمةً فيها: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[ [المائدة:44]
قال
الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (6\256): حدثنا الْحَسَن بْن يَحْيَى، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ اِبْن طَاوُوس،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا
أَنْزَلَ اللَّه وَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ[، قَالَ: «هِيَ بِهِ كُفْر».
وقال
كذلك: حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: ثنا هُشَيْم، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْم، عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل، عَنْ
عَلْقَمَة وَمَسْرُوق: أَنَّهُمَا سَأَلا اِبْن مَسْعُود عَنْ الرِّشْوَة، فَقَالَ:
مِنْ السُّحْت. قَالَ: فَقَالا: أَفِي الْحُكْم؟ قَالَ: «ذَاكَ الْكُفْر». ثُمَّ
تَلا هَذِهِ الْآيَة: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا
أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ[.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28\524): «ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين
وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة
محمد r، فهو كافر. وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب
وكفر ببعض الكتاب، كما قال تعالى {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا
بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا
أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا}». قلت: والذين يحكمون بلاد
المسلمين لم يقفوا عند حد تسويغ اتباعها بدلاً من أحكام الشريعة الإسلامية، ولكنهم
يلزمون المسلمين باتباعها ويعاقبون الخارج عليها.
وقال:"
والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع
المجمع عليه كان كافرا باتفاق الفقهاء " [ مجموع الفتاوى 3 / 267 ]
وقال:"
ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم
الله ورسوله كان مرتدا كافرا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى { المص،
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين، اتبعوا ما أنزل
إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } ولو ضرب وحبس وأوذي
بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان
مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة الله في الأنبياء
وأتباعهم، قال الله تعالى { الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا
يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } "
[ مجموع الفتاوى 35 / 373 ]
وقال
في مجموع الفتاوى (28/502): «كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة مع شرائع الإسلام
الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه،
وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق
والصحابة –رضي الله عنهم– مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة
مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما. فاتفق الصحابة –رضي الله عنهم– على القتال
على حقوق الإسلام، عملاً بالكتاب والسنة. فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات
المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر،
والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب
الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في
جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن
كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء».
وقال:" كل طائفة خرجت
عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة
المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين. فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس
وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك
إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم
الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن
امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب
والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى إن
يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن اظهروا البدع المخالفة للكتاب
والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها " [ مجموع الفتاوى 28 / 510 ]
قال
ابن كثير رحمه الله في كلامه عن الياسق:" وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله
المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل
على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر،
فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال
تعالى { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون }، وقال تعالى {
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
قضيت ويسلموا تسليما } [ البداية والنهاية 13 / 119 ]
في
برنامج الشريعة والحياة الذي يعاد بثه هذا اليوم على قناة الجزيرة. تحدث الشيخ
يوسف القرضاوي غفر الله له ردا على سؤال سائل عن موقف التيار الإسلامي من القوميين
العرب. فرد الشيخ حفظه الله بأنه يجب على المسلمين والقوميين ان يتحدوا معا على
الأقل مستعينين بالقواسم المشتركة بينهم لمواجهة اسرائيل. انتهى حديث الشيخ ولي
سؤال اتمنى ان يصل الى شيخنا الفاضل. مالقواسم المشتركة بين التيار الإسلامي وبين
القوميين العرب من بعثيين وناصريين ونصيريين ونصارى وعلمانيين؟ ثم ألم نجرب هؤلاء
لأكثر من خمسين عاما فماذا كانت النتيجة؟ وأين الجهاد الذي تتحدث عنه يا شيخ بارك
الله فيك؟
ان
يطالب سياسي او رجل الشارع بهذا التحالف بين التيارات المختلفه لمواجهة اسرائيل
فذاك امر يمكن نقاشه. لكن ان تخرج هذه المطالبة من عالم شرعي المفروض ان يفتي بقال
الله وقال رسوله ويكون عالما بمقاصد الشريعة فهذا امر غير مقبول على الإطلاق.
ماذا
قدم هؤلاء القوميين من دعم ومسانده للقضية الفلسطينية؟ مايفعلونه الآن ماهو الا
محاولة للتسلق على حساب القضية. هل تعتقد ان صدام حسين يدعم الفسطينيين حقيقة ام تراه
يستغل قضيتهم للترويج له ولحزبه؟ وهل الشعب الفلسطيني برأيك اولى من الشعب العراقي
في نظر رئيسه؟ وماذا قدم القذافي للقضية غير طرد الفلسطينيين من ارضه؟ ومذا قدم
حزب البعث في سوريا سوريا غير انه استخدم الشيعة في جنوب لبنان كمخلب قط ! وماذا
قدم الساسة في مصر غير الضغط على عرفات لتقديم تنازلات ! ثم الا ترى معي ان هؤلاء
القوميين هم من يحمي حدود اسرائيل وليس الجيش الإسرائيلي !
خلافنا
مع الشيخ القرضاوي ليس فقط بفروع الفقه. بل هو في العقيدة وأصول الشريعة وقواعد
الفقه أيضاً. فتجده قد هَدَمَ تعظيم النصوص، وأعرض عن الوحيَين. فليس مرجعه الكتاب
والسنة، بل قواعد اتبعها وعارض بها الشريعة كقاعدة «تهذيب الشريعة لإرضاء العامة»،
و «تحسين صورة الإسلام للكفار»، وقاعدة «تقديم العقل»، وقاعدة «التيسير»، وقاعدة
«الشهوات تبيح المحظورات»، وقاعدة «الأصل في الأوامر الاستحباب، والأصل في النواهي
الكراهة»، فلا وجوب ولا تحريم. ولسان حاله يقول كما تقول المرجئة: «إعملوا ما
شئتم، فقد وجبت لكم الجنة».
هذا
الرجل فلا يعرف من الأدلة إلا قوله تعالى ]يريد الله بكم اليسر ولا يريد
بكم العسر[. ولا يعرف من القواعد إلا قاعدة ]الضرورات تبيح المحظورات[. وقد أدخل في الضرورات شهوات الناس، فنسف النصوص والإجماعات ومسخ
الشريعة بهذا.
يرى
البعض أن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم! ولكي يصرفوا النظر عن بعض القرضاوي، يقومون
بالهجوم على غيرهم من العلماء وبذلك يرمون عصفورين بحجر واحد، يشوهون صورة العلماء
الربّانيّين من جهة، ويصرفون النظر عن زلات شيخهم القرضاوي من جهة أخرى. قاعدة
الدفاع والهجوم معروفة في الرياضة، والآن أصبحت معروفة بين العلماء! ومن هذا
المنطلق نجد أن الشيخ القرضاوي –هداه الله– يتهم غيره من أهل العلم بالتشدد. لا بل
وأنهم يتشددون لكسب الجماهير! وهذا مكابرةٌ واضحةٌ منه ومحاولة لحرف النظر عنه.
نقلت
جريدة الاتحاد الإماراتية قول الشيخ القرضاوي: «واختلاف الفتوى لا يضر. إذا سألنا
العالم القادر على الفتوى، والمتحري الذي يخشى الله في فتواه، فلا يبيع دينه
بدنياه أو دنيا الآخرين التي تكون أحياناً دنيا الحكام والسلاطين، وأحياناً
دنيا العوام والجماهير. وذلك بأن يبيع دينه بالمزايدة على الجمهور،
حتى يُقال انه شخص متشددٌ ومحافظٌ على دينه وليس متساهلاً ولا متهاوناً، فيُشدّد
على الناس. وإذا كان الآخرون يشدّدون، يدخل هو في سوق المزايدة، ويشدّد أكثر
وأكثر!!!».
أقول:
التقرب من العوام والجماهير، بل قل التقرب إلى الحكام والسلاطين أيضاً، إنما يكون
بالتيسير والإباحية، وليس بالتشدد. فإن التشدد ممقوتٌ من جمهور الناس. فعلى من
الضحك على اللحى يا فضيلة الشيخ؟!
قال
القرضاوي في "الفتوى بين الانضباط والتسيب" (ص108) عن العالِم: «ألا
يلتزم رأياً في قضية: بدون دليلٍ قوي، سالمٍ من مُعارِضٍ مُعتبَر. ولا يكون كبعض
الناس الذين ينصرون رأياً معيّناً، لأنه قـــــــــــــــــــــــول
فــــــــــــــــــــــلان، أو مذهب فـــــــــــــــــــــــــلان، دون نظر إلى
دليلٍ أو برهان. مع أن الله يقول ]قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين[. ولا يُسمى العِلمُ عِلْماً، إذا كان ناشِئاً من غيرِ دليل. ولقد
قال الإمام علي: "لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله"».
انتهى كلام القرضاوي.
سبحان
الله ليس عيب ان يعترف الانسان بخطئه ولكن العيب هي المكابره والاعراض عن الحق بعد
ماتبين واذكركم بقوله تعالى (هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل
الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً) النساء آية 109): والعجيب
المباح
هو ما دلَّ الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير
بدل، أو هو ما خُيِّر المرء فيه بين فعله وتركه شرعاً. والإباحة من الأحكام
الشرعية. فالمباح حكم شرعي، والحكم الشرعي يحتاج إلى دليل يدل عليه، فما لم يوجد
دليل يدل عليه، لا يكون حكماً شرعياً. فمعرفة كون حكم الله في الفعل مباحاً، تحتاج
إلى دليلٍ شرعي. وعدم وجود الدليل الشرعي لا يدل على أن الفعل مباح، لأن عدم وجود
الدليل لا يدل على وجود حكم الإباحة ولا على وجود أي حكم له، بل يدل على نفي وجود
حكم له، ويدل على وجود التماس الدليل لمعرفة حكم الله فيه حتى يحدد موقفه منه. ذلك
أن معرفة حكم الشرع في الفعل فرضٌ على كل مُكلـَّفٍ ليحدد موقفه من الفعل: هل هو
يقوم به أو يتركه. فالإباحة خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك، فما لم يعرف
خطاب الشارع لا يعرف الحكم الشرعي. وما لم يوجد خطاب الشارع بالإباحة، لا يوجد حكم
الإباحة. فانه لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع. فيتوقف الحكم بكون الفعل
مباحا أو مندوبا أو فرضا أو مكروها أو حراما على ورود الدليل السمعي بهذه الأحكام.
وبدون الدليل السمعي لا يمكن إعطاء الفعل حكماً من الأحكام، فلا يمكن أن تحكم
بإباحة ولا حرمة غيرهما من الأحكام الشرعية الخمسة إلا أن يقوم الدليل السمعي على
ذلك. وليس معنى هذا ترك طلب حكم الله بالفعل وتعطيل أحكام الشرع، أو ترك القيام
بأعباء الحياة بحجة جهل حكم الله فيها، فان ذلك كله لا يجوز شرعاً، و إنما يعني
ذلك أن فعل الإنسان يحتاج إلى معرفة حكم الله فيه، وذلك يوجب طلب الأدلة الشرعية
وتطبيقها على ذلك الفعل حتى يعرف حكم الله في الفعل من كونه مباحاً أو حراماً أو
فرضاً أو مكروهاً أو مندوباً.
لأن
مقياس الأعمال عند المسلم هو أوامر الله ونواهيه. وقد فرض الله على كل مسلم أن
ينظر في كل عمل يأتيه وأن يعرف قبل القيام بالفعل حكم الله فيه: هل هو حرام أو
واجب أو مكروه أو مندوب أو مباح. فكل عمل لابد أن يتعلق به حكم من الأحكام الخمسة
المذكورة. فهو لابدان يكون إما واجبا أو حراما أو مندوبا أو مكروها أو مباحا. وكل
عمل من الأعمال التي يقوم بها المسلم يجب أن يعلم حكم الله في هذا العمل قبل
مباشرته له، لان الله سيسأله عنه. قال تعالى ]فو ربك لنسألنهم أجمعين عما
كانوا يعملون[. وقال: ]وما تكون في شأن وما تتلو منه من
قران ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه[. ومعنى إخباره تعالى لعبادة انه شاهد على أعمالهم هو انه محاسبهم
عليها وسائلهم عنها. وقد بين الرسول r وجوب أن
يكون العمل وفق أحكام الإسلام، فقال: «من عمل عملاً ليس عليه امرنا فهو رد». وما
زال الصحابة –رضوان الله عليهم– يسألون رسول الله r عن تصرفاتهم حتى يعرفوا حكم الله فيها قبل أن يفعلوها. فقد اخرج
ابن المبارك أن عثمان بن مظعون أتى النبي r فقال: «أتأذن لي في الاختصاء؟».. فقال النبي r: «ليس منا من خصي ومن اختصى. وان اختصاء أمتي الصيام». قال: «يا
رسول الله، أتأذن لي في السياحة؟». قال: «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله». قال:
«يا رسول الله أتأذن لي في الترهب؟». قال: «إن ترهُّب أمتي الجلوس في المساجد
لانتظار الصلاة». فهذا صريحٌ بان الصحابة ما كانوا يُقدِمون على عمل إلا سألوا عنه
قبل الإقدام عليه لمعرفة حكم الله فيه. ولو كان الأصل في الأفعال الإباحة لفعلوه
وما سألوا عنه، فإذا حرّمه الله تركوه وإلا استمروا على فعله ولا حاجة لهم إلى
السؤال. و أما سكوت الشارع عن أفعال لم يبين حكم الله فيها مع أن الناس كانوا
يفعلونها، فليس معناه: إن عدم إعطاء الشارع رأيا قويا أو فعليا دليل على إباحة
الأفعال التي لم يبين فيها نص صريح قولي أو فعلي، بل معنى السكوت:إن الأفعال التي
فعلت أمام الرسول أو كان يعلم أن الناس يفعلونها داخل سلطانه دليل على إباحة هذه
الأفعال فقط، لا على إباحة الأفعال مطلقاً. لان سكوته –عليه الصلاة والسلام– على
الأفعال أي إقراره لها، دليل على إباحة هذه الأفعال. فالسكوت على الفعل يعتبر
دليلاً على إباحته إذا كان مع العلم به بأنه فعل أمامه أو كان بعلم عنه، أما سكوته
عن الفعل دون علمه به أو عن الفعل الحاصل خارج سلطانه، وان علم به فلا يسمى سكوتا
باعتبار السكوت من الأدلة الشرعية.
والسكوت
الذي هو الدليل على الإباحة سكوت الرسول r لا سكوت القران، لان القران كلام الله والله يعلم ما كان من
الأفعال، وما يكون، وما هو كائن. فلا يعتبر عدم بيان القران حكم فعل انه سكت عنه
بل المراد من السكوت عن الفعل هو سكوت الرسول r عنه مع علمه به، أي انه يعمل العمل أمامه أو يعمل داخل سلطانه على
علم منه ويسكت عنه.
وقد
استدل بعض الصحابة على جواز العزل بسكوت النبي r عنه فقال «كنا نعزل والقران ينزل»، أي و رسول الله بيننا، إذ قوله
والقران ينزل كناية عن وجود الرسول بينهم. واستدل بعض المجتهدين على جواز أكل لحم
الضب بسكوت النبي عن أكله. فقد روي انه «أُكِل الضب على مائدة النبي ولم يأكل
منه». فسكوته عن الصحابة وهم يأكلون الضب على مائدته دليل على إباحة أكله.
فسكوت
الشارع عن الفعل مع علمه به دليل على إباحته، وليس عدم بيان الشارع حكما للفعل
دليل على إباحته، وفرق بين السكوت وبين عدم البيان في الدلالة.
ومن
ذلك كله يتبين أن الأصل في أفعال العباد هو أن لها حكما شرعيا وجب طلبه من الأدلة
الشرعية قبل القيام بالفعل، ويتوقف الحكم على الفعل بكونه مباحا أو فرضا أو مندوبا
أو حراما أو مكروها على معرفة الدليل السمعي على هذا الحكم من الكتاب أو السنة أو
الإجماع أو القياس.
باعتبار
أننا سنتعرض لتخريج الكثير من الأحاديث، فلا بدّ من مقدمة مختصرة إلى علم الحديث،
أوضح به منهجنا باختصار.
الحديث
الصحيح: هو «ما اتصل سَنَدُهَ بنقلِ العدْلِ الكامل الضّبط عن مثله، و سَلِمَ من
أي شذوذٍ أو عِلَّة». المتصل أي ما لم يكن مقطوعاً بأيّ وجهٍ كان. والعدل هو من لم
يكن مستور العدالة ولا مجروحاً. والضابط هو من يكون حافظاً متيقظاً. والشاذ هو ما
يرويه الثقة مخالفاً للناس. والعلة هي الأسباب الخفية القادحة في السند أو المتن.
أما
الحديث الحسن: فهو نفس التعريف السابق لكن نقص ضبط الراوي، مع كونه ثقة قليل
الخطأ. ومصطلح الحسن لم يعرفه المتقدمون، إلا الترمذي فإنه قصد به الحديث الضعيف
الذي يجوز العمل به في مذهب العراقيين، كما أوضح ابن تيمية (وخالفه بعض العلماء).
ثم إنه قد ظهر وكثر عند المتأخرين مع اختلافٍ في تعريفه وفي تطبيقه، ولو أن الغالب
عليهم إطلاقه على الحديث الضعيف من جنس الذي يحسنه الترمذي.
وقد
اختلف علماء الحديث حول عدد الأحاديث النبوية الصحيحة. والراجح هو ما ذكره الحافظ
ابن حجر العسقلاني في كتاب النكت على ابن الصلاح (ص992): «ذكر أبو جعفر محمد بن
الحسين في كتاب التمييز له، عن شعبة و الثوري و يحيى بن سعيد القطان و ابن المهدي
و أحمد بن حنبل و غيرهم، أن جملة الأحاديث المسندة عن النبي r أربعة آلاف و أربعمئة حديث». ونحن نعلم أن علماء الحديث الذين
يعتد بقولهم قد أجمعوا على صحة كل ما جاء في صحيحي البخاري و مسلم ما عدا بضعة
أحاديث قليلة انتقدها الدارقطني وغيره. فإذا كان عدد ما أخرجه مسلم بدون تكرار
3030 حديث، مع إضافة ما انفرد به البخاري عن مسلم (ولا أظنه يتجاوز المئتين)، مع
تسليمنا بأن عدد الحديث الصحيح هو حوالي 4400 حديث، نستنتج أن حوالي ثلاثة أرباع
الحديث الصحيح قد أخرجه الشيخان. و قد بقي قريب من الألف حديث لم يخرجاه. وقد نص
الإمام النووي على أن الغالبية العظمى من الحديث المتبقي موجود عند الترمذي وأبي
داود والنـَّسائي. ولذلك فإن ما فات هذا الكتاب من الحديث الصحيح يسيرٌ جداً إن لم
يكن معدوم.
أما
الأحاديث المهمة التي يدور عليها الحلال والحرام فنستطيع القول أنها كلها تقريبا
موجودة في صحيح مسلم. وقد قدرها البعض بخمسمئة حديث. فقد سُئِل الإمام الشافعي كم
أصول السنة (أي أصول الأحكام)؟ فقال خمسمئة. فقيل له: كم منها عند مالك؟ قال كلها
إلا خمسة و ثلاثين. [أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (1\915) تحقيق أحمد صقر].
والمعروف أن كل أحاديث الأحكام التي أخرجها مالك في الموطأ قد أخرجها البخاري
ومسلم. ولذلك قام مجد الدين عبد السلام بن تيمية (جد شيخ الإسلام) بكتابة كتاب في
أحاديث الأحكام معتمداً على صحيحي البخاري ومسلم فقط. وفي الصحيح ما يُغني عن
الضعيف.
واختلف
علماء السلف في جواز العمل بالحديث الضعيف أم لا. فأهل العراق يعملون بالحديث
الضعيف، وهو مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد، وكذلك كثيرٌ من علماء الحديث كأبي
داود والترمذي، ولذلك أخرجوا تلك الأحاديث الضعيفة في سننهم. أما أهل الحجاز فلا
يعملون إلا بالحديث المشهور عندهم حتى لو كان منقطعاً. وعلى هذا بنى الإمام مالك
مذهبه، وكذلك الإمام الشافعي في القديم. وقد اشترط ابن حزم الأندلسي الظاهري على
نفسه أن لا يقبل إلا بالحديث الصحيح لذاته المتصل (بغض النظر عن أخطاءه في التصحيح
وشذوذه بالفهم).
قال
الإمام ابن القيم في إعلام الموقّعين (1\77): «أصحاب أبي حنيفة مجمعون على
أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بني
مذهبه. كما قدَّم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي. وقدم حديث الوضوء بنبيذ
التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس. ومنع قطع السارق بأقل من عشرة دراهم،
والحديث فيه ضعيف. وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف. وشرط في إقامة
الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك. وترك القياس المحض في مسائل الآبار، لآثارٍ فيها
غير مرفوعة. فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي، قوله وقول
أحمد بن حنبل. وليس المراد بالضعيف في اصطلاح السلف، هو الضعيف في اصطلاح
المتأخرين. بل ما يسميه المتأخّرون حسناً قد يسميه المتقدمون ضعيفاً».
والإمام
أحمد ورعاً في الفتوى لا يكثر من القياس ولا يفتي بمسألة إلا إذا كان له فيها سلف
أو يصمت، ويكره أن يفتي برأيه واجتهاده. لذلك إذا لم يجد حديث صحيح، أخذ بالحديث
الضعيف، وكان يقول: «الحديث الضعيف أحب إلي من رأي الرجال» [وهذا في الفقه فقط،
أما في العقيدة فحاشاه الاستشهاد بالحديث الضعيف، وإن فعل ذلك بعض أتباعه من
بعده.]. ونحن نقول إن الحديث الضعيف قد يكون هو فعلاً من رأي الرجال وقد يكون شراً
منه! على أية حال فطالما أن للعالم منهج واضح يسير عليه، فلا لوم ولا تثريب. وإنما
اللوم على صاحب الهوى الذي يضعّف الحديث الذي لا يعجبه ويعمل بالحديث المنكر إذا
وافقه هواه.
والذي
نراه أن لا نأخذ إلا بالحديث الصحيح الذي نطمئن له كامل الاطمئنان. فإن الله قد
تكفل قطعاً بأن يصلنا الحديث النبوي كله بالطرق الصحيحة إلينا. لأن الله قد تكفل
بحفظ هذا الدين وإيصاله إلينا، والسنة من أصل هذا الدين. فلو لم تصلنا صحيحة لما
أقيمت الحجة علينا. قال الإمام ابن حزم في الأحكام (2\201): «الله تعالى قد قال: ]إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له
لحافظون[. فمَضمونٌ عند كلِّ من يؤمن بالله واليوم
الآخر أن ما تكفل الله –عز وجل– بحفظه ضائع أبداً، لا يشك في ذلك مسلم. وكلام
النبي r كله وحي بقوله تعالى: ]وما ينطق عن لهوى ثم إن هو إلا
وحي يوحى[. والوحي ذِكرٌ بإجماع الأمة كلها. والذكر
محفوظٌ بالنص. فكلامه –عليه السلام– محفوظٌ بحفظ الله –عز وجل– ضرورة، منقولٌ كله
إلينا، لا بُدَّ من ذلك».
وقال
كذلك (1\127): «إننا قد أمنا -ولله الحمد- أن تكون شريعة أمر بها رسول الله r، أو نَدَب إليها، أو فَعَلها -عليه السلام-، فتضيع ولم تبلغ إلى
أحد من أمته: إما بتَوَاتُرٍ، أو بنقلِ الثقةِ عن الثقة، حتى تَبْلغَ إليه r. وأمِنَّا أيضاً قطعاً أن يكون الله تعالى يُفرِدُ بنقلها من لا
تقوم الحُجَّة بنقله من العُدول. وأمِنَّا أيضاً قطعاً أن تكون شريعةٌ يخطىء فيها
راويها الثقة، و لا يأتي بيانٌ جليٌّ واضحٌ بصحة خَطَئِه فيه. وأمِنَّا أيضاً
قطعاً أن يُطلِقَ الله –عز وجل– من قد وجبت الحجة علينا بنقله، على وَضْعِ حديثٍ
فيه شَرْعٌ يُسْنِدَهُ إلى من تَجِبُ الحجة بنقله، حتى يبلغ به إلى رسول الله r. وكذلك نقطع ونثبت بأنّ كلّ خبرِ لم يأت قطُّ إلا مُرسَلاً أو لم
يَرْوِهِ قطّ إلا مجهولٌ، أو مجروحٌ ثابت الجَرْحَة، فإنه خبَرٌ باطلٌ –بلا شكٍّ–
موضوعٌ، لم يقُله رسول الله r. إذ لو
جاز أن يكون حقاً، لكان ذلك شرعاً غير لازمٍ لنا، لعدمِ قيام الحُجةِ علينا فيه».
وقد
صار تخريج الحديث عند المتأخرين، طريقةً للتلاعب بأحكام الدين. فيضعف الفقيه
الحديث الصحيح الذي يعارض مذهبه، ويقوي الحديث الضعيف الذي يوافق هواه! ومثال ذلك
ما قاله ابن الحصار الأندلسي (611هـ): «... وقد يعلم الفقيهُ صِحّة الحديث (أي
الذي اتفق علماء الحديث على ضعفه) بموافقة الأصول أو آيةٍ من كتاب الله تعالى،
فيحمِلُهُ ذلك على قبول الحديث والعمل به واعتقاد صحته!!». قلت: لو فرضنا أن
الحديث صحيح، فَلِمَ لَمْ ينقله الله لنا بالإسناد الصحيح؟ ولِمَ لَمْ يصحّحه أحد
من المتقدمين؟ وبمجرد أن يكون نصٌّ ما قد وافق الآية القرآنية، لا يكون النبي r قد قاله
بالضرورة. بل لو كان معناه موافقاً لآية في القرآن، فتكفيك إذاً الآية!
يقول
ابن الجوزي عن هؤلاء في "التحقيق في أحاديث الخلاف" (1\22): «رأيتُ
بِضاعةَ أكثر الفقهاء في الحديثِ مَزَّجاة، يُعَوِّلُ أكثرُهُم على أحاديث لا تصح،
ويُعرضُ
عن الصّحاح،
ويقلّدُ بعضهم بعضاً فيما ينقل». ولذلك ذهب الإمام ابن الصّلاح إلى وجوب إغلاق باب
الحكم على الحديث لمنع هؤلاء من التلاعب بأحكام الشريعة. فقد ذهب بعض الصوفية إلى
درجة تصحيح الأحاديث بالمنامات، ويسمون ذلك بالكشف الرباني! ثم أتى المتكلمون
والفلاسفة فكتبوا في علم الحديث أثناء كتابتهم لأصول الفقه، فأتوا بالطوام العظام.
فمن ذلك زعمهم بأن تفرد الثقة مقبولٌ إطلاقاً، وإهمالهم شبه المطلق لمسألتي الشذوذ
والعلة. فصاروا يصحّحون أحاديث منكرة اتفق السلف على ترك العمل بها، فكثرت
الشذوذات الفقهية. وصاروا يبحثون عن الحديث الصحيح في كتبٍ مخصّصةٍ أصلاً لتبيين
عِلَلِ الأحاديث الضعيفة، كالكامل في الضعفاء لإبن عدي، والمسند المعلل للبزّار،
والمعجمين الصغير والأوسط للطبراني، وسنن الدارقطني، وغيرها. هذا دون إنكار وجود
علماء حديث قديرين فعلاً كالذهبي وابن حجر وابن رجب وغيرهم.
وينبغي
على المحدّث التورع عن نسبة حديثٍ ضعيفٍ لرسول الله r. فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله r قال: «مَنْ
حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ
الْكَاذِبِينَ».
وقال كذلك: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
فالحذر الحذر من التساهل في تصحيح الحديث.
1–
تشدده في التدليس. مع أن وجود مُدلّس قد عنعن في السند لا يعني –بالضرورة– تضعيف
حديثه. فقد يكون قد ثبت سماعه لهذا الحديث بالذات. وقد يكون ممن لا يضر تدليسهم،
كما أوضح الحافظ ابن حجر في كتابه القيّم طبقات المدلسين. و إذا روى المدلّس عن
شيخه الذي طالت ملازمته له، فإن هذا يُحمل على السماع لأنه قد استوعب حديثه كله.
كما أن بعض الأئمة كشعبة عندما يروي عن مدلس كقتادة، فإنه قد كفانا التدليس فلا
يروي إلا ما كان سمعه قتادة من شيخه.
2–
عدم تنبهه لسماع الرواة من بعضهم البعض. وفي ذلك تساهل في الحكم على الحديث.
وينبغي لمن سلك هذا المسلك أن يديم النظر في كتب العلل وخاصة المتخصصة منها بمسألة
السماع. وأن ينظر كذلك لسنة الوفاة وبلد الراوي، خاصة لمن عرف عنهم الإرسال
كالشاميين.
3–
رأيه في مسألة زيادة الثقة: فإنه –رحمه الله– توسع في ذلك شيئاً، فقبل الكثير من
الزيادات التي ضعّفها الأئمة لشذوذها، واعتبرها هو زيادة ثقة يجب قبولها، مع أنه
يشترط ألا تكون منافية لأصل الحديث. إلا أنه ربما ذهل عن هذا أحياناً. أما الأئمة
المتقدمين فلم يقبلوا زيادة الثقة بإطلاقها، بل كانوا يبحثون بعناية في كل حالة.
وهذا من أهم الفروق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين (أي بعد عصر الحاكم).
4–
عدم تركيزه على قضية العلة و الشذوذ. فنرى الشيخ لا يعبأ كثيراً بأقوال الأئمة
المتقدمين في إنكار بعض الروايات. ودليل ذلك تصحيحه للأحاديث الباطلة والمنكرة
والتي أبطلها الأئمة المتقدمون وأنكروها. وهذا كثيراً ما أوقعه في أوحال الأحاديث
المنكرة. وكذلك تصحيحه الحديث بكثرة طرقه، مع أن الأئمة المتقدمين اطلعوا على هذه الطرق
وضعفوها كلها، ولم يصححوا الحديث بها لأمر ما، فكل حديث له حديث يخصه.
5–
تساهله في التصحيح. حيث أن المستور على رسم ابن حجر، والإسناد المنقطع، والمدلس،
والصدوق كل ذلك يقبل في الشواهد والمتابعات عنده. وهذا أيضاً مسلك فيه تساهل واضح.
وهذا أيضاً سبب آخر لتصحيحه الحديث بمجرد كثرة طرقه، مع تضعيف الأئمة له.
6–
الإكثار من تحسين الأحاديث بالشواهد والمتابعات. وتقويته للحديث بالطرق الضعيفة
جداً. فالسلف لا يكثرون –جداً– من تحسين الأحاديث بالشواهد، إلا إذا قويت طرقها،
ولم يكن في رواته كذاباً ولا مُتهم، ولم تعارض أصلاً. أما لو قويت طرقها واستقامت
بمفردها، لكنها عارضت أصلاً فإنها تُطرح. ويمكن تلخيص منهج السلف في تحسين
الأحاديث بالشواهد بما يلي:
1. محل إعمال قاعدة تقوية الحديث بتعدد
الطرق، هو في غير الحديث الذي أجمع أئمة الحديث على تضعيفه، ما لم يكن تضعيفهم
مقيداً بطريق بعينه.
2. أن محل تقوية الحديث بتعدد الطرق، ينبغي
أن لا يكون في حديث ضعفه أحد أئمة الحديث، وقامت القرائن على صحة قوله.
3. أن تتعدد طرق الحديث تعدداً حقيقياً فلا
يؤول هذا التعدد إلى طريق واحد، كما يحصل كثيراً في الأحاديث التي فيها انقطاع أو
جهالة أو تدليس.
4. أن لا يشتد ضعف الطرق. فلا يقبل التحسين
من أحاديث المجاهيل والكذابين والمختلطين وأمثالهم.
5. أن يسلم المتن من النكارة! وهذا مهم
للغاية كما في المثال الذي ذكره الحاكم النيسابوري في "معرفة علوم
الحديث" (1\119).
7–
تعجله –رحمه الله– في تخريج الحديث بحجة كثرة إلحاح دار النشر عليه! وهذا العذر
فيه ما فيه كما ترى.
8–
والشيخ الألباني كان كثير الاعتماد على تقريب التهذيب (وهو مجرد عناوين مختصرة)،
دون الرجوع إلى التراجم المفصلة. والصواب أن تقريب التهذيب لا ينبغي الرجوع إليه
إلا عندما يصعب الترجيح بين الرواة. وإلا فلا بد من الرجوع ليس إلى تهذيب التهذيب
وحده، بل إلى كتب العلل و السؤالات والكتب المختصة بالمدلسين والمختلطين وغير ذلك
من الأمور الدقيقة. فإن قال قائل إن هذا أمر يطول كثيراً، قلنا نعم! فمن لم يكن
عنده الصبر والجلد فليلزم التقليد لحفاظ جهابذةٍ أفنوا عمرهم في طلب هذا العلم
والبحث فيه.
وهذه
الأخطاء لم يتفرد بها الشيخ الألباني رحمه الله، بل سار عليها أغلب المتأخرين –كما
أسلفنا–، وبخاصة المعاصرين منهم. وإنما خصصناه بالذكر لأنه من أعظمهم أثراً، ولما
لكتبه من قبول. ومن أراد البسط في هذه المسألة فعليه بمراجعة هذه الكتب:
1. الإرشادات في تقوية الأحاديث
بالشواهد والمتابعات، للشيخ طارق عوض الله.
2. الموازنة بين المتقدمين
والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها، للشيخ الدكتور حمزة المليباري.
(لم
تكتمل بعد)
أخرج
الترمذي بإسناد حسن أن رسول الله r قال: «من
قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». قال الترمذي: «هذا حديث حسن
صحيح» [سنن الترمذي (5\199). قلت وفيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي.]. ثم
قال: «وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي r وغيرهم: أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي رُوي
عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم، أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم
قالوا في القرآن وفسروه من غير علم، أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما
قلنا، أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم». قال قتادة: «ما في القرآن آية إلا
وقد سمعت فيها بشيء». وقال مجاهد: «لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود (أي تفسيره)، لم
أحتج إلى أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت».
فمن
قال في القرآن برأيه، فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب
المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ، لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس
على جهل، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرما ممن
أخطأ، والله أعلم.
وهكذا
سمى الله -تعالى- القذفة كاذبين، فقال: ]فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك
عند الله هم الكاذبون[، فالقاذف
كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر، لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به،
وتكلف ما لا علم له به.
ولهذا
تحرّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما قال أبو بكر الصديق: «أي أرض
تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب بما لا أعلم؟!» [رواه شعبة عن سليمان عن
عبد الله بن مرة عن أبي معمر، وقد روي أيضاً من وجهين منقطعين، وقوّاه الحافظ ابن
حجر في فتح الباري (13\271)]. و عن أنس أن عمر ابن الخطاب قرأ على المنبر: وفاكهة
وأبا فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو
التكلف يا عمر [القصة صحّحها ابن حجر في فتح الباري (6\296).]. وهذا كله محمول على
أنهما –رضي الله عنهما– إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب. وإلا فكونه نبتاً من
الأرض ظاهرٌ لا يُجهل.
وقد
صحَّ عن الفاروق t أنه قال:
«اتهموا الرأي على الدين، وإن الرأي منا هو الظن والتكلف». وعن عثمان t في فتيا أفتى بها: «إنما كان رأيا رأيته في شاء أخذ ومن شاء
تركه». وعن علي t «لو كان
الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه». وعن سهل بن حنيف t «أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم». وعن ابن عباس t «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». وعن ابن مسعود t أنه فال في مسألة: «سأقول فيها بجهد رأيي. فإن كان صوابا فمن الله
وحده. وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء» [المحلى (1\61)].
وهذا
إمام التابعين سعيد بن المسيب، كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. و كان إذا
سئل عن تفسير آية من القرآن قال: «إنا لا نقول في القرآن شيئاً». قال محمد بن
سيرين: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن، فقال: «ذهب الذين كانوا يعلمون فيما
أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد». قال مسروق (من أئمة التابعين): «اتقوا
التفسير، فإنما هو الرواية عن الله» [قال أبو عبيد: حدثنا هشيم (ثقة)، أنبأنا عمر
بن زائدة (ثقة)، عن الشعبي (ثقة) عن مسروق].
فهذه
الآثار الصحيحة، وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة عن تحرجهم عن الكلام في التفسير
بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه. ولهذا
روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير. ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموا
وسكتوا عما جهلوا. وهذا هو الواجب على كل أحد.
قال
ابن عباس: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر
أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله».
نقول
ليس الأمر كذلك، فهذا خلاف مشهور بين العلماء في مسألة النفقة [إنظر كتاب اختلاف
العلماء لإبن نصر المروزي (1\146).]. فقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثاً، هل
لها السكنى والنفقة، أم لا؟ وقد روى الإمام مسلم مجموعة أحاديث في صحيحه في باب
"المطلقة ثلاثا لا نفقة لها". وخلاصة القصة أن زوج فاطمة قد طلقها
ثلاثاً وكان غائباً، فلم يجعل لها رسول الله r لا سكنى ولا نفقة. فاعتدت في بيتٍ آخر. ثم إنها صارت تفتي لغيرها
من النساء بهذا، فأنكر عليها ذلك جمع من الصحابة. قال عمر لها: «إن جئت بشاهدين
يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله r، وإلا لم
نترك كتاب الله لقول امرأة. قال الله عز وجل: ]لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن
إلا أن يأتين بفاحشة مبينة[». وفي
رواية أخرى قال: «لا نترك كتاب الله[زيادة "وسنة نبينا r" لم تصح، كما نصّ على ذلك الدارقطني في سننه (4\25)، وانظر
كلام ابن القيّم في نيل الأوطار(7\104)]، لقول امرأةٍ، لا ندري لعلها حفظت أو
نسيت».
قول
عمر «لا ندري حفظت أو نسيت»، قال ابن حجر في تفسيره «ظهر مصداقه في أنها أطلقت في
موضع التقييد أو عممت في موضع التخصيص»[فتح الباري (9\481).]. فهذا لا يعني أن عمر
يرد حديثها، بل هو يظن أنها تعمّم الحديث مع أنه خاص بها، وهذا هو رأي الجمهور
أيضاً. قال الشوكاني في نيل الأوطار (7\106): «فإن قلت أن ذلك القول من عمر يتضمن
الطعن على رواية فاطمة لقوله "لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت"،
قلت هذا مطعنٌ باطل بإجماع المسلمين، للقطع بأنه لم ينقل عن أحد من
العلماء أنه رد خبر المرأة لكونها امرأة. فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول عن
امرأة واحدة من الصحابة. وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم
السنة. ولم يُنقل أيضاً عن أحد من المسلمين، أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان
ناقله. ولو كان ذلك مما يُقدح به، لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان
مقدوحاً فيه! لأن تجويز النسيان لا يسلم منه أحد. فيكون ذلك مُفضياً إلى تعطيل
السنن بأسرها. مع كون فاطمة المذكورة، من المشهورات بالحفظ كما يدل على ذلك حديثها
الطويل في شأن الدجال، ولم تسمعه من رسول الله r إلا مرة واحدة يخطب به على المنبر، فوعته جميعه. فكيف يظن بها أن
تحفظ مثل هذا، وتنسى أمراً متعلقاً بها، مقترناً بفراق زوجها وخروجها من بيته؟!
واحتمال النسيان أمر مشترك بينها وبين من اعترض عليها!».
وكلام
الشوكاني هذا هو تلخيص لكلام ابن حزم الأندلسي في المحلى المسألة (2008)، الذي قال
فيه (10\297): «فمن أضل ممن يحتج بما هو أول مبطل له، عصبيةً ولجاجاً في الباطل؟
وهكذا القول في قوله "لها إن جئت بشاهدين يشهدان" أنهما سمعاه من رسول
الله r. فهم أول مخالف لهذا. ولو لزم هذا فاطمة،
للزم عمر في كل ما حدث به عن رسول الله r، وكل أحد من الصحابة، ولا فرق. فمن أضل ممن يموّه على المسلمين
بأشياء هو يدين الله تعالى بخلافها وبطلانها. ونعوذ بالله من الخذلان».
فمما
سبق نلاحظ ما يلي:
1)
احتج عمر t بقوله تعالى: ]لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن
إلا أن يأتين بفاحشة مبينة[.
2)
كذلك فاطمة t احتجت بالقرآن أيضاً، بل وبنفس الآية،
فقالت: «بيني وبينكم القرآن. قال الله عز وجل: ]لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن
إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى
لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا [. قالت هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، فكيف
تقولون لا نفقة لها؟ إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها؟». بعد ذلك أمراً، فسرته
بِأنه الطلاق البائن، وقد وافقها بعض المفسرين على ذلك. وكيف تكون لها سكنى بلا
نفقة؟
3)
أمنا عائشة t أنكرت على فاطمة بنت قيس t تعميمها ألا سكنى للمبتوتة، وإنما كان انتقال فاطمة من مسكنها
لعذر من خوف اقتحامه عليها. فالإنكار عليها إذاً لأنها تعمّم الخاص على العام، لا
أنها وهِمت بالحديث، ولا لأن الحديث متعارض مع القرآن. بل لأنه يتعامل مع حالة
خاصة لا يصح تعميمها. فقالت: «ما لفاطمة بنت قيس خيرٌ في أن تذكر هذا الحديث».
وقد
اختلف العلماء تبعاً لاختلاف الصحابة. فقال مالك والشافعي وجمهور الفقهاء: لها
السكنى، ولا نفقة لها. واحتجوا في إيجاب السكنى وإبطال النفقة لها بقول الله
تعالى: ]أسكنوهن
من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن. وإن كن أولات حمل فأنفقوا
عليهن حتى يضعن حملهن[. قالوا
فعم بالسكنى المطلقات، كلهن ولم يخص منهن مطلقة دون أخرى. وخص بالنفقة أولات
الأحمال خاصة، فدل ذلك على أن غير الحامل لا نفقة لها. لأن النفقة لو وجبت لغير
الحوامل لعمهن جميعاً بالنفقة كما عمهن بالسكنى. واحتجوا بحديث فاطمة بنت قيس أن
النبي r لم يجعل لها نفقة. قالوا فأما أمره إياها
بالانتقال فذلك لأنها خشيت في مسكن زوجها (وهو مكان وَحِشٌ) أن يدخل عليها أهله
بغير إذن (إذ كان زوجها مسافراً)، فهذا إذاً حالة خاصة. وقال أحمد بأن لا نفقة
عليها ولا سكنى، آخذاً بظاهر حديث فاطمة. وقال بعض فقهاء الكوفة بأن لها السكنى،
والنفقة أيضاً، و خالفهم في ذلك إبراهيم النخعي [مصنف ابن أبي شيبة (4\136).].
وليس
هذا موضع بحث الراجح، فمِثل هذا البحث تجده في كتب الفقه. إنما أثبتنا بطلان دعوى
رد الحديث بناءً على القرآن. إذ كان النزاع بين الصحابة في تعميم وتخصيص الحديث
(دون رده)، وكل طرف كان يستدل بالقرآن.
أهم
الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع أخرجها البخاري في صحيحه (1\432: #1226):
قال
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: توفيت ابنة لعثمان t بمكة وجئنا لنشهدها، وحضرها بن عمر وابن عباس –رضي الله عنهم–
وإني لجالس بينهما. فقال عبد الله بن عمر t لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله r قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه». فقال بن
عباس t قد كان عمر t يقول بعض ذلك ثم حدث قال صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة حتى إذا
كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب. قال
فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته فقال ادعه لي. فرجعت إلى صهيب، فقلت ارتحل فالحق أمير
المؤمنين. فلما أصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر t: يا صهيب، أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله r: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه»؟ قال ابن
عباس t: فلما مات عمر t، ذكرت ذلك لعائشة t، فقالت:
رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله r: «إن
الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه»، ولكن رسول الله r قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه».
وقالت: «حسبكم القرآن: ]ولا تزر وازرة وزر أخرى[». قال ابن عباس t: ثم ذلك
والله هو أضحك وأبكى. قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر t شيئاً.
وعن
المغيرة t قال سمعت
النبي r يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد. من
كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». سمعت النبي r يقول: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه».
وعن
النعمان بن بشير t قال:
«أغمي على عبد الله بن رواحة. فجعلت أخته تبكي واجبلاه واكذا واكذا، تعدد عليه.
فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلاّ قيل لي: أنت كذا؟ فلما مات لم تبك عليه».
نقول
من البداية بأنه ليس من المستحيل عقلياً أن يغلط راوي الحديث. أما أن يغلط هو ثم
يغلط راوٍ آخر نفس الخطأ ثم يتابعهم على هذا الخطأ عدد من الرواة الثقات، فهذا
مستحيلٌ عقلاً وشرعاً. خاصة مع ما عرف عن هؤلاء الصحابة من قوة الحفظ وشدة العناية
بألفاظ الحديث والورع في الرواية عن رسول الله r. فهذه الأحاديث الصحيحة التي يرويها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله
و المغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وصهيب وغيرهم من الحفظة من
الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين–، كل هذه الأحاديث تصل إلى مرتبة التواتر القطعي
الذي لا يمكن فيه ادعاء الوهم أو الغلط.
ومن
ظن بأن أمنا عائشة t كانت ترد
الحديث إذا لم يكن موافقاً للقرآن حتى لو كان رواته ثقات، فهو ظنٌّ باطلٌ مردودٌ،
وإنّ بعض الظنّ إثم، وإن كان ظاهر الحديث الأول قد يوهم بذلك. بل ليس كذلك. فإن
أمنا عائشة t قد أنكرت على ابن عمر t تعميمه للحديث الخاص باليهودية، كما أنها أنكرت على فاطمة بنت قيس
t تعميمها لحديث لا سكنى ولا نفقة للبائنة
مع أن ذلك الحديث كان خاصاً بحالتها. وهذا يبدو لنا جليّاً في الحديث الذي أخرجه
مسلم في صحيحه (2\643): أن أمنا عائشة t، ذُكِر
لها أن عبد الله بن عمر t يقول: «إن
الميت ليعذب ببكاء الحي». فقالت عائشة t: «يغفر
الله لأبي عبد الرحمن. أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ. إنما مر رسول الله t على يهودية يُبْكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب
في قبرها».
فقد
حملت الحديث الثاني على أنه مقيّدٌ للأول وفق القاعدة الفقهية بحمل المقيد على
المطلق. فيكون معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله
عليه بذنبه لا ببكائهم. فأمنا عائشة t لم تردّ
الحديث الصحيح، بل فسّرت الحديث الأول الصحيح بالحديث الثاني الصحيح، واستشهدت
لتفسيرها ذلك بالقرآن، لأن من غير الممكن أن يعذب الله نفساً بذنب لم ترتكبه. و
هذا لا غبار عليه البتة. فانتقادها إذاً لإبن عمر t هو أنه أخطأ بعدم ذكره القصة كاملة، لأن الحديث خاص بالكفار. لكن
يظهر ابن عمر لم يخطئ بذكر الحادثة، إنما هو يتحدث عن قصة أخرى.
فقد
أخرج البخاري في صحيحه (1\439): عن عبد الله بن عمر t، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له. فأتاه النبي r يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود
–رضي الله عنهم–. فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: «قد قضى». قالوا: «لا
يا رسول الله»، فبكى النبي r. فلما رأى
القوم بكاء النبي r بكوا،
فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا
–وأشار إلى لسانه– أو يرحم. وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه». وكان عمر t يضرب فيه بالعصا، ويرمى بالحجارة، و يحثي بالتراب.
فظهر
غلط من قال بحصر الحديث بالكافر الميت، مع ما في ذلك التأويل من تكلف. وهنا اختلف
العلماء كثيراً في معنى الحديث، فقالت طائفة أنه يعذب فقط إذا أوصى قبل موته
بالنياحة عليه، أو أن ذلك كان مذهبه في حياته، وهذا اختيار الإمام البخاري كما
يظهر في تبويبه لهذا الحديث. وهو قول ليس عليه دليل، بل يبطله الحديث السابق، لأن
سعد t لم يوص بذلك ولم يكن ينوح على الموتى في
حياته. والجمع بين هذه الأحاديث أبسط من هذا بكثير لو تأملناها. فإن من أنكر
الحديث الأول إنما ظنّ أن معناه أن الله يعذب الميت بنحو عذاب القبر ببكاء أهله.
وليس في الحديث ما يدل على هذا. فالحديث الذي رواه عمر t هو: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه». وقالت
أمنا عائشة t: والله ما حدث رسول الله r: «إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه»، ولكن
رسول الله r قال: «إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء
أهله عليه». فلو تأملت النصوص بتمعّن، لوجدت أن أمنا عائشة t، لم تنكر حديث عمر r بألفاظه،
إنما أنكرت ما قد يفهمه بعض الناس من ظاهره.
وحديث
عمر t صحيحٌ بلا ريب، وكذلك ما قالته أمنا
عائشة t. فإن الله لا يعذب الميت ببكاء أهله
عليه، مؤمناً كان أم كافراً. إنما أهله هم الذين يعذبونه بنحيبهم عليه. ذلك أن
الميّت يسمع أصوات الأحياء على قول جمهور العلماء، فلذلك يتعذب بسماعه بكاء أهله
ويرق لهم. خاصة أن العلماء أجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء بصوت
ونياحة، لا مجرد دمع العين الذي لا يشاهده الميت. فإذا تدبرت هذا المعنى وراجعت
النصوص كلها، لم تجد أدنى تعارض بينها. وإلى هذا ذهب إمام المفسّرين محمد بن جرير
الطبري. وقال القاضي عياض وهو أولى الأقوال. واستشهدوا له بحديث أخرجه ابن أبي
شيبة بإسناد حسّنه الحافظ ابن حجر، عن قـَيْـلة بنت مَخْرمة، قلت: «يا رسول الله،
قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة، ثم أصابته الحمى فمات ونزل على البكاء». فقال رسول
الله r: «أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا
معروفاً، وإذا مات استرجع؟ فوا الذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه
صويحبه. فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم».
وقد
انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا المذهب، فقال في مجموع فتاواه (24\374): «وأما
تعذيب الميت، فهو لم يقل إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال يعذب. والعذاب
أعم من العقاب. فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابا له على
ذلك السبب. فإن النبي قال: "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه
وشرابه". فسمى السفر عذاباً. وليس هو عقابا على ذنب. والإنسان يعذب بالأمور
المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة.
فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه. فكيف
يُنكـَرُ أن يعذب الميت بالنياحة؟ وإن لم تكن النياحة عملا له يعاقب عليه». ثم
قال: «وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه. فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع
عنه من العذاب، كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة
والأرواح والصور القبيحة».
فظهر
بذلك بشكل جليٍّ أنه لا تعارض بين الأحاديث الصحيحة أبداً. وأن خلاف العلماء هو في
تفسيرها وفقاً للظروف التي قيلت به، وبحسب الآيات القرآنية، لا رداً للأحاديث
الصحيحة والعياذ بالله. والله الموفق للصواب بمنّه وفضله وكرمه.
هناك
الكثير من الجهلة من خصوم الإمام أبي حنيفة ممن يتهمونه بأنه كان يرد الأحاديث
بمجرد مخالفتها رأيه. و ليس ذلك بصحيح قطعاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في
الفتاوى (20\304): «من ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون
مخالفة الحديث الصحيح، فقد أخطأ عليهم و تكلم إما بظن أو بــهـوى».
و
إنما لأبي حنيفة وأصحابه من فقهاء الكوفة منهجٌ مختلفٌ في تلقي الحديث. حيث أن
الكذب كان كثيرٌ عند أهل الكوفة. وكانت العراق موطن الفتن، فمنها خرج الخوارج
والمرجئة والقدرية والمعتزلة والجهمية والرفض والتشيع. وكان بعض أصحاب هذه الفرق
يضع الأحاديث نصرةً لمذهبه، فكثرت الغرائب والمناكير في الحديث. فاحتاط أبو حنيفة t ولم يأخذ من الحديث إلا ما كان مشتهراً عندهم. بل إنه فضّل الحديث
الذي يرويه الفقيه على حديث غيره. لكنّه أخذ بالأحاديث المعضلة والمنقطعة والمرسلة
لمجرد شهرتها، بغض النظر عن ضعف سندها. فكثيراً ما تجد أبا حنيفة t يأخذ بالحديث ويعمل به لشهرته بين فقهاء العراق، بينما لا يأخذ به
الشافعي t لضعف سنده.
ثمّ
إن كثيراً من الأحاديث لم تصل إلى الإمام أبي حنيفة t في الكوفة. أما الإمام مالك t فقد كان في المدينة حيث بقي فيها أغلب الصحابة ناقلين لأولادهم ثم
لطبقة مالك، أكثر الأحاديث النبوية التي عليها مدار الأحكام الفقهية. ولذلك لمّا
وصلت بعض تلك الأحاديث إلى صاحبه القاضي أبي يوسف، فإنه رجع عن كثيرٍ من المسائل
المخالفة للسنة كما نجد في كتابه "الرد على سيرة الأوزاعي t". ثم إن صاحبه الإمام محمد بن الحسن t قد اجتمع بالإمام مالك t، وروى عنه المُوَطَّأ. وقد رجع عن مسائل كثيرة، وقال: «لو سمع
صاحِبايَ بهذه الأحاديث، لرجَعَا عن تلك المسائل كما رَجَعْت».
وكثيراً
ما كان الإمام محمد بن الحسن يقول في المبسوط: «أستحسن و أدع القياس». واستحسانه
هو رجوعٌ لأثَرٍ أو حديثٍ يخالفُ مُقتضى القياس، أو رجوعاً للأصول العامة. وهذا ما
كان يُسمّى قديماً بالرأي. ومن هنا ظنّ من لا يعرف منهج الأحناف بأنهم يستحسنون
بمجرد الهوى والمزاج الشخصي. ولا ريب أن هذا خطأ عليهم. وأهم ما ساهم في هذا الخطأ
المشهور أن الأحناف الأوائل لم يُوضّحوا منهجهم في الفقه والحديث. نعم، يُروى أن
صاحبي الإمام أبي حنيفة: أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن قد كتبا بعضاً من أصول
الفقه، إلا أن ذلك لم يصل إلينا. ثم إن منهج أتباعهم في أصول الفقه لم يكن
بالواضح، حيث تراه مرتبطاً بالمسائل الفرعية وليس مجرّداً. أما الإمام الشافعي فقد
كتب أصوله في رسالته الأصولية بوضوح مدعومة بالأدلة. بل كان عندما يُسأل، يُسهِبُ
بالكيفية التي استنتج بها هذا الحكم بناءً على الأدلة الشرعية. وقد أنصف الشافعيُّ
شيخَه –محمد بن الحسن– فقال في "الأم" (7\309): «وأصل ما يذهب إليه محمد
بن الحسن في الفقه: أنه لا يجوز أن يُقَال بشيءٍ من الفِقْهِ، إلا بخبرٍ لازِمٍ أو
قِياس». فلم يكن الأحناف الأوائل يُفتون بناءً على الهوى أبداً، بل بالقرآن ثم
السنة ثم أقوال الصحابة ثم القياس.
والإمام
الشافعي مكّي قرشي، كان في مذهبه القديم على مذهب شيخه الإمام مالك، ثم إنه لما
ذهب للعراق واجتمعت له من الأحاديث ما ليست عند الحجازيين، فصار له مذهب آخر أقلّ
به من القياس والمصالح المرسلة. وهذه الأحاديث التي لم تصل إلى الإمام مالك ليست
بالكثيرة. فقد سُئِل الإمام الشافعي كم أصول السنة (أي أصول الأحكام)؟ فقال خمسمئة
(أي أن الأحاديث التي تدور عليها أحكام الفقه هي 500 حديث). فقيل له: كم منها عند
مالك؟ قال: كلها إلا خمسة و ثلاثين [مناقب الشافعي للبيهقي (1\915) تحقيق أحمد
صقر.]. أما مذهب الإمام أحمد بن حنبل فقد كان شبيهاً بمذهب إمامه الشافعي، إلا أنه
كان يأخذ بالحديث الذي ضعْفُهُ يسيرٌ (إذا لم يجد حديثاً صحيحاً)، ويقول الحديث
الضعيف أحبّ إليّ من رأي الرجال [المقصود من الحديث الضعيف أي من جنس الحديث الذي
يحسّنه الترمذي والعلماء المتأخرين، كما أشار شيخ الإسلام، وليس الحديث المنكر
شديد الضعف. ولم يكن مصطلح الحديث الحسن موجوداً آنذاك. ونحن نقول تعليقاً على هذا
أن الحديث الضعيف قد يكون هو فعلاً من رأي الرجال وقد يكون شراً منه إن لم تصح
نسبته لرسول الله r. على أية
حال فطالما أن للعالم منهج واضح يسير عليه، فلا لوم ولا تثريب. وإنما اللوم على
صاحب الهوى الذي يضعّف الحديث الذي لا يعجبه ويعمل بالحديث المنكر إذا وافقه
هواه.]. وكان وَرِعاً في الفتوى لا يُكثِر من القياس، ولا يُفتي بمسألةٍ إلا إذا
كان له فيها سلف، أو يصمُت.
وليس
معنى كلامنا تفضيل مذهب على مذهب، إنما نريد توضيح المنهج الذي ذهب إليه كل عالم
أو إمام. و فِقه هؤلاء الأئمة مبني على أصولٍ راسخةٍ، وإلا لم تتقبلها الأمّة
الإسلامية، ولم تنتشر مذاهبهم. وإنما اللوم على من وضع أصولاً، ثم خالفها واتبع
هواه. فقد يكون مذهب الإمام الشافعي أقوى من المذهب الحنفي في فقه العبادات لما
وصلته من أحاديث كثيرة وآثار عن الصحابة والتابعين في الحجاز. ولكن مذهب الإمام
أبي حنيفة يعلو ويتفوق في مجال المعاملات التجارية، لما كان عند أبي حنيفة من خبرة
في ذلك كونه تاجراً، ولما كان عند الفرس من تطور في تفريعات التجارة. وقد علمنا أن
العالم المجتهد إذا اجتهد فأخطأ فله أجره، وإذا أصاب فله أجران.
وما
قاله العلامة المالكي ابن خلدون في "مقدمة تاريخه"، من أن أبا حنيفة
لتشدده في شروط الصحة لم يصح عنده
إلاّ سبعة عشر حديثاً فهفوةٌ مكشوفة، لا يجوز لأحدٍ أن يغتّر بها. لأن رواياته لم تكن سبعة عشر حديثاً فحسب، بل
أحاديثه في سبعة عشر سفراً، يسمى
كل منها بمسند أبي حنيفة، خَرّجَها جماعةٌ من الحفاظ وأهل العلم بالحديث بأسانيدهم إليه، ما بين مُقِلٍّ مِنهم
ومُكثِر، حسبما بَلغَهُم من أحاديثه. وقَلّما يوجد بين تلك الأسفار سَفَرٌ أصغر من
سُنَنِ الشافعي رواية الطحاوي، ولا من مسند الشافعي برواية أبي العباس الأصم
اللذين عليهما مدار أحاديث الشافعي. وقد قام المحدث الفقيه ظفر أحمد العثماني بجمع
الأحاديث التي استدل بها الأحناف في كتاب كبير سماه "إعلاء السنن"، ويقع
في 18 مجلد.
أما
عن اتهامه بتقديم القياس على النصوص، فنقول أن هذه الشبهة بطلانها بيّن. فقد ذكر
الحافظ ابن عبد البر في كتابه "الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء" أن
أبا حنيفة –رحمه الله– قال موضّحاً منهجه: «آخذ بكتاب الله تعالى. فإن لم أجد
فبسنة رسول الله r. فإن لم
أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله r، أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأودع قول من شئت منهم،
ولا أخرج عن قولهم إلي قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر – أو جاء – إلى إبراهيم
والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسّيب – وعَّدد رجالاً (من التابعين)–
فقومٌ اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا» [انظر مناقب الموفق (1\82).].
قال
الحسن بن صالح: «كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ. فيعمل
بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي r وعن
أصحابه. وكان عارفاً بحدث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان عليه
الناس ببلده. و كان يقول: إن لكتاب الله ناسخاً ومنسوخاً، وإن للحديث ناسخاً
ومنسوخاً. وكان حافظاً لفعل رسول الله r الأخير
الذي قُبض عليه مما وصل إلي بلده». وقال علي بن المديني (شيخ البخاري): سمعت عبد
الرزاق يقول: كنت عند معمر فأتاه ابن المبارك فسمعنا مَعْمَراً يقول: «ما أعرف
رجلاً يتكلم في الفقه ويسعه أن يقيس ويستخرج في الفقه أحسن معرفة من أبي حنيفة،
ولا أشفَقَ على نفسه من أن يُدخل في دين الله شيئاً من الشك من أبي حنيفة».
وقال
صاحبه الإمام محمد بن الحسن: «العلم على أربعة أوجه: ما كان في كتاب الله الناطق
وما أشبهه. وما كان في سنة رسول الله r المأثورة
وما أشبهها. وما كان فيما أجمع عليه الصحابة وما أشبهه، وكذلك ما اختلفوا فيه. ولا
يُخرج على جميعهم، فإن وقع الاختيار فيه على قول فهو عِلْمٌ نقيسُ عليه ما أشبهه.
وما استحسنه فقهاء المسلمين وما أشبهه وكان نظيراً له. ولا يخرج العلم عن هذه
الوجوه الأربعة» [السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، للدكتور مصطفى السباعي
(ص38). وأصول السرخسي (1\318). وجامع بيان العلم (2\36).].
نقل
الإمام الشعراني في ميزانه (1\51) بسنده إلي الإمام أبي حنيفة أنه قال: «كذب
–والله– وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس على النص! وهل يُحتاج بعد النص
إلي قياس؟!». ونقل عنه أيضاً قوله: «نحن لا نقيس إلاّ عند الضرورة الشديدة، وذلك
أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة. فإن لم نجد دليلاً،
قِسْنا حينئذٍ مَسكوتاً على منطوقٍ به».. وذكر عنه أيضاً قوله: «ما جاء عن رسول
الله r فعلى الرأس والعين، –بأبي وأمي– وليس لنا
مخالفته. وما جاء عن الصحابة تخَّيرنا (أي من أقوالهم). وما جاء عن غيرهم فهم
رجالٌ ونحن رجال».
نعم
إن الإمام رحمه الله تعالى يرجِّح رواية الفقيه على روايةٍ غير فقيه، لأن شأن
الفقيه أن يدرك ويفهم ما قد لا يدركه غير الفقيه، خاصة وأن الحديث قد يروى
بالمعنى. وليس الرأي الذي كان عليه أبو حنيفة –رحمه الله– ردّ النصوص، لكن
اعتبارها وفهمها والفهم عنها. وقد كان في هذا الباب البطل الذي لا يُجارى. ولعل
بعضهم حسده لهذا فقال فيه ما قال، أو تخيل أنه يقدم الرأي على النص –لفهمه الدقيق
فيه– فزعم في حقه ما زعم. لقد قال أبو حنيفة –رحمه الله– في الذي أكل أو شرب
ناسياً في نهار رمضان: «لولا الأثر لقلت بالقياس أي أنه يفطر، ذلك لوجود صورة
الإفطار منه لا قصده». وكان ينهى بشدة عن القياس بوجود النص. قال وكيع: سمعت أبا
حنيفة يقول: «البول في المسجد أحسن من بعض القياس».
وقد
تقدم أن الإمام –رحمه الله– لا يقول بالرأي ولا يلجأ إليه إلا إذا عدم النص في
القضية. قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقّعين (1\77): «أصحاب أبي حنيفة مجمعون
على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بني
مذهبه. كما قدَّم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي. وقدم حديث الوضوء بنبيذ
التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس. ومنع قطع السارق بأقل من عشرة دراهم،
والحديث فيه ضعيف. وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف. وشرط في إقامة
الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك. وترك القياس المحض في مسائل الآبار، لآثار فيها
غير مرفوعة. فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي، قوله وقول
أحمد بن حنبل. وليس المراد بالضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح
المتأخرين. بل ما يسميه المتأخّرون حسناً قد يسميه المتقدمون ضعيفاً».
وقال
ابن حزم الظاهري: «جميع أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة: أن
ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي» [مخلص إبطال القياس (ص68).]. قلت فتأمل
هذا وقارنه مع ما يريده هؤلاء العقلانيون –أخزاهم الله– من رد الحديث بالرأي و
الهوى. فإن أبا حنيفة لم يأخذ بالحديث الصحيح فقط، بل بالضعيف أيضاً، ثم أقوال
الصحابة. وكان يتشدد كثيراً في عدم جواز مخالفة الصحابة حتى لو كان مذهبهم مخالفاً
للقياس. أما العقلانيون فهم يصيحون بأعلى صوتهم: "الصحابي غير معصوم" و
"نحن رجال وهم رجال!!". وهم لا يأخذون بالحديث الصحيح أصلاً إذا لم
يوافق هواهم، فضلاً عن أقوال الصحابة. فكيف يحاولون أن يقارنوا أنفسهم بالإمام أبي
حنيفة؟ سبحان الله، أين الثرى من الثريا!
الجهل
مصيبة! لكن المصيبة تصبح طامّةً كبرى إذا أُضيفت إليها المعاندة والجحود والكذب.
فقد سمعنا من معتزلة اليوم (أتباع الفكر "العقلاني") أن كثيراً من
الأئمة الكبار كانوا يردون الحديث بالرأي. وهذا لا يعدو كونه فريةً عليهم بلا
دليل. وإلا فكل العلماء مجمعين على أن الحديث مقدّمٌ على الرأي. قال الإمام
الشافعي: «" لا يحل القياس والخبر موجود». وقال الإمام أبو حنيفة «وهل يُحتاج
بعد النص إلي قياس؟!». قلت وكيف جاز لهم تقديم الرأي على السنة، وهم يعلمون أنهم
مأمورون بالتحاكم إليها عند التنازع كما سلف؟ وما أحسن قول السبكي (رغم تعصبه
المذهبي) في صدد المتمذهب بمذهب يجد حديثاً لم يأخذ به مذهبه، ولا علم قائلاً به
من غير مذهبه: «والأولى عندي اتباع الحديث، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي r، وقد سمع ذلك منه أيسعه التأخر عن العمل به؟! لا والله. وكل أحد
مكلف بحسب فهمه» [رسالة "معنى قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو
مذهبي" (3\103) – مجموعة الرسائل المنيرية].
وأما
نسبتهم هذا المذهب الفاسد إلى أئمة السلف الصالح، فهذا هو الكذب المبين. فهذا هو
الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود t يقول:
«ليس عام إلا والذي بعده شر منه. لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام،
ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم. ثم يحدث قوم يقيسون الأمور
برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم». وقال كذلك: «الاقتصاد في السنة أفضل من الاجتهاد
في البدعة».
وهذا
هو الإمام أبو حنيفة يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»([4])، و «إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى أو
خبراً لرسوله r فاتركوا قولي»([5]) وقال الإمام مالك: «إنما أنا بشر أخطئ
وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب
والسنة فاتركوه».([6]). وقال
الإمام الشافعي: (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله r وتعزب
عنه. فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن r خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله r، وهو
قولي»([7]).
وقال: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله r، لم يحل
له أن يدعها لقول أحد»([8]). وقال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»([9]).
ويقول للإمام أحمد: «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح
فأعلموني به أي شيء يكون كوفياً أو بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان
صحيحاً»([10]). ويقول: «كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول
الله r عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي»([11]).
ويقول: «إذا رأيتموني أقول قولاً وقد صح عن النبي r خلافه، فاعلموا أن عقلي قد ذهب»([12]) إلى غير ذلك من أقواله المعظمة لسنة r. وقال
الإمام أحمد: «رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبى حنيفة، كله رأي، وهو عندي سواء.
وإنما الحجة في الآثار»([13]). وقال: «من رد حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم فهو على شفا هلكة».
ولذا
كان الرسول r الذي هو أعلم الخلق بربه، يقف عند ما لم
ينزل عليه فيه وحي، حتى يأتيه الوحي من الله. قال الإمام مالك: «كان رسول الله r إمام المرسلين وسيد المرسلين، يُسأل عن الشيء، فلا يجيب حتى يأتيه
الوحي من السماء»[الأحكام لابن حزم (8\514)]. وقد ترجم البخاري في كتاب الاعتصام
«باب ما كان النبي r يُسأل مما
لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي
ولا قياس لقوله تعالى: ]بما أراك الله[، وقال ابن مسعود: سئل النبي r عن الروح فسكت، حتى نزلت الآية». وأورد تحته حديث جابر أنه قال
للنبي r وقد عاده في مرضه كيف أصنع في مالي؟ قال:
«فما أجابني بشيء، حتى نزلت آية المواريث».
فهذا
واضح أن رسول الله r –ورأيه
أصحّ الآراء– لم يكن يفتي برأيه في الحلال والحرام، حتى يأتيه الوحي من السماء.
فما بال هؤلاء القوم يفتون برأيهم الشخصي، بلا دليلٍ من كتابٍ أو سنة؟ اللهم لا
تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
أما
زعمهم برد الحديث إذا تعارض مع القرآن، فنقول لهم إن الحديث الصحيح لا يتعارض
أبداً مع القرآن. وكيف يتعارض قول رسول الله r مع قول الله عز وجل وهو الذي يقول عن رسوله: ]وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا
وحي يوحى[؟ إنما الحديث يوضح ويشرح ما أراد الله في
كتابه، وقد يكون فيه تعميم أو تخصيص للآيات.
وقد
ثبت أن رسول الله r قال: «لا
ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكته (أي سريره) يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو
نهيت عنه، فيقول ما أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». [أخرجه الإمام الشافعي
في الرسالة (1\89)، وأبو داود في سننه (4\200)، وصحّحه الحاكم في المستدرك (1\190)
على شرط البخاري ومسلم، وهو كما قال فإن رجاله ثقات أثبات احتج بهم البخاري ومسلم،
وإسناده متصل]. قال الإمام ابن حزم في الأحكام (2\210): «فهذا حديث صحيح بالنهي
عما تعلل به هؤلاء الجُهَّال (أي الذين يزعمون رد السنة بالقرآن)، وبالله تعالى
التوفيق. مع ما قدمنا من أنه لا يختلف مسلمان في أن ما صح عن النبي r، فهو مضافٌ إلى ما في
القرآن،
وأنهم إنما اختلفوا في الطرق التي بها يصح ما جاء عنه –عليه السلام– فقط». وثبت في
الصحيحين أن رسول الله r قال: «من
أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد». وقال كذلك: «ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه
فانتهوا».
وهذا
مطابقٌ لما في القرآن الكريم من أوامر واضحة بالتزام السنة.
قال
الله عز وجل فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم
حرجا مما قضيت الآية وقال عز وجل فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو
يصيبهم عذاب أليم
وقال
وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق
يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله
بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم
ان يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه
فأولئك هم الفائزون
وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم
ومن
يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقا
وانزل
الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما
وقال
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله باب ما أمر الله من طاعة رسول الله
وقال
ومن يطع الرسول فقد أطاع الله
وقال
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
قضيت ويسلموا تسليما
إنما كان قول المؤمنين اذا دعوا الى الله
ورسوله ليحكم بينهم أن يقول سمعنا وأطعنا
قال عمران بن حصين t لرجل: «إنك أحمق. أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا تجهر فيها
بالقراءة، ثم عَدَد الصلاة والزكاة ونحو هذا؟». ثم قال: «أتجد هذا في كتاب الله
مفسَّراً؟! إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك»
وقال رجل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: «لا
تحدثونا إلا بالقرآن». فقال له مطرف: «و الله ما نريد بالقرآن بدلاً. ولكن نريد من
هو أعلم بالقرآن منا» يعني رسول الله r. وعن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أنه حدث عن رسول الله r. فقال رجل: «إن الله
عز وجل قال في كتابه كذا وكذا». فقال: «لا أراك تعارض حديث رسول الله r بكتاب الله عز وجل. رسول
الله r
أعلم بكتاب الله عز وجل».
قال
ابن حزم الأندلسي في الأحكام (2\248) عن أسباب اختلاف العلماء: «وثانيها أن يقع في
نفسه أن راوي الخبر لم يحفظ وأنه وَهِم. كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس، وكفعل
عائشة في خبر الميت يعذب ببكاء أهله. وهذا ظنٌّ لا معنى له: إن أطلق بطلت الأخبار
كلها، وإن خُصّ به مكانٌ دون مكان كانت تحكماً بالباطل».
فالرد
عليهم يكون بأن نقول لهم: هل رد خبر الآحاد مطلق لكل أحاديث الآحاد، أم أنه خاص
ببعضها؟
1–
فإن قيل نرد كل أحاديث الآحاد، فهذا مخالفٌ لإجماع الأمة كلها. والذي يقول هذا
إنما يريد إنكار السنة كلها، لأن الغالبية العظمى من الأحاديث هي أحاديث آحاد غير
متواترة. وقد نقل الإمام الشافعي الإجماع على الاحتجاج بخبر الآحاد، واستشهد لذلك
بحديث رسول الله r: «لا يجمع
بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها». وهو حديث آحاد لم يرد في القرآن، ولكن
الأمة أجمعت على معناه [اللهم إلا الخوارج ليس لأنهم يردون أحاديث الآحاد بل لأنه
لم يصلهم قبل الفتنة]. قال الشافعي: «فكانت فيه دلالتان: دلالة على أن سنة رسول
الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال، ولكنها مبينة عامة وخاصة. ودلالة على أنهم
قبلوا فيه خبر الواحد. فلا نعلم أحداً رواه من وجه يصح عن النبي، إلا أبا هريرة».
2–
فإن قيل نرد خبر الآحاد في أمور العقيدة فقط كما في مذهب الأشاعرة، نقول لهم: إن
هذا المذهب الفاسد لم تصحّ نسبته للأشاعرة الأوائل، وإنما جنح إليه بعض المتأخرين
منهم. وليس فيه رد أحاديث الآحاد في العقيدة كليّاً إنما قصدوا بها أحاديث الأسماء
والصفات لما يلزم ذلك من الدقة. أما خبر الواحد فهو حجة بلا ريب في العقيدة. وقد
كان رسول الله r يرسل
الرجل الواحد للأمراء والملوك يدعوهم للإسلام. وقد أرسل معاذاً r وحده إلى اليمن ليعلم الناس دينهم.
3–
فإن قيل نرده في الموضع الذي نرى أنه باطل. قلنا هذا هو التحكم بالباطل. فأين
الدليل الذي ستعتمدون عليه في رد الخبر بلا حجة؟ ولو قال بذلك خصومكم، فما يكون
جوابكم عليهم؟! فأنتم تريدون إخضاع السنة لأهوائكم، فكيف تريدون أن يتبعكم الناس
وبأية حجة؟! قال الإمام ابن حزم في الأحكام (1\134): «فمن حَكَمَ في دينِ الله –عز
وجل– بما استَحسَنَ وطابت نَفْسُه عليه دُون برهانٍ من نصِّ ثابتٍ أو إجماع، فلا
أحَدَ أضَلُّ منه، وبالله تعالى نعوذ من الخِذلان».
4–
فإن قيل وماذا لو أخطأ الراوي فعلاً؟ كيف نتصرف عندها؟ قلنا لقد تكفل الله قطعاً
بأن يصلنا الحديث النبوي كله بالطرق الصحيحة إلينا. لأن الله قد تكفل بحفظ هذا
الدين وإيصاله إلينا، والسنة من أصل هذا الدين. فلو لم تصلنا صحيحة لما أقيمت
الحجة علينا. قال الإمام ابن حزم في الأحكام (2\201): «الله تعالى قد قال: ]إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له
لحافظون[. فمَضمونٌ عند كلِّ من يؤمن بالله واليوم
الآخر أن ما تكفل الله –عز وجل– بحفظه ضائع أبدا، لا يشك في ذلك مسلم. وكلام النبي
r كله وحي بقوله تعالى: ]وما ينطق عن لهوى ثم إن هو إلا
وحي يوحى[. والوحي ذِكرٌ بإجماع الأمة كلها. والذكر
محفوظٌ بالنص. فكلامه –عليه السلام– محفوظٌ بحفظ الله –عز وجل– ضرورة، منقولٌ كله
إلينا، لا بد من ذلك».
5–
فإن قيل ماذا لو أخطأ الثقة في الحديث أو وَهِم بغير قصد؟ قلنا لو حدث ذلك فلا بدّ
أن الله سيبعث من العلماء من يأتي ببيانٍ واضحٍ جليٍّ بهذا الخطأ. وهذا تجده
كثيراً في كتب عِلَلِ الحديث. قال ابن حزم (1\127): «إننا قد أمنا -ولله الحمد- أن
تكون شريعة أمر بها رسول الله r، أو نَدَب
إليها، أو فَعَلها -عليه السلام-، فتضيع ولم تبلغ إلى أحد من أمته: إما
بتَوَاتُرٍ، أو بنقلِ الثقةِ عن الثقة، حتى تَبْلغَ إليه r. وأمِنَّا أيضاً قطعاً أن يكون الله تعالى يُفرِدُ بنقلها من لا تقوم
الحُجَّة بنقله من العُدول. وأمِنَّا أيضاً قطعاً أن تكون شريعةٌ يخطىء فيها
راويها الثقة، و لا يأتي بيانٌ جليٌّ واضحٌ بصحة خَطَئِه فيه. وأمِنَّا أيضاً
قطعاً أن يُطلِقَ الله –عز وجل– من قد وجبت الحجة علينا بنقله، على وَضْعِ حديثٍ
فيه شَرْعٌ يُسْنِدَهُ إلى من تَجِبُ الحجة بنقله، حتى يبلغ به إلى رسول الله r. وكذلك نقطع ونثبت بأنّ كلّ خبرِ لم يأت قطُّ إلا مُرسَلاً أو لم
يَرْوِهِ قطّ إلا مجهولٌ، أو مجروحٌ ثابت الجَرْحَة، فإنه خبَرٌ باطلٌ بلا شكٍّ
موضوعٌ، لم يقُله رسول الله r. إذ لو
جاز أن يكون حقاً، لكان ذلك شرعاً غير لازمٍ لنا لعدمِ قيام الحُجةِ علينا فيه».
ومن
أنصار هذا الرأي الفاسد محمد الغزالي الذي زعم أن علماء الحديث كان عملهم يقتصر
على البحث في أسانيد الحديث ورد الضعيف منها. لكنهم لم يكن عندهم نقد للمتون، فبقي
على "الفقهاء" (يقصد المعتزلة) غربلة الأحاديث الضعيفة من صحاح أهل
السنة.
أقول:
لنسأل صاحبنا الغزالي: أي الفريقين ألف كتب العلل، وهي تشتمل على نقد الأسانيد
والمتون؟ وكذلك من ألف كتب الموضوعات؟ وأخيراً من ألف الصحاح، وهي عملية اختيار
وانتقاء مضن تدل على نضج وصبر، أهم الفقهاء أم المحدثون؟
ثم
من قال لك أن المحدثين الأوائل لم يكونوا علماء بالفقه أيضاً؟ ألا يعرف الغزالي
هذا أن الإمام الفقيه مالك، هو صاحب كتاب المُوَطَّأ الذي يعتبر من أصحّ كتب
الأحاديث بعد صحيحي البخاري ومسلم؟ ألا يعرف أن الإمام الفقيه الشافعي، هو صاحب
كتاب الأم الذي وضح فيه أصل الحديث وأصول الفقه؟ ألا يعلم أن الإمام الفقيه أحمد
بن حنبل، هو صاحب كتاب المُسنَد الذي يعتبر من أكبر كتب الحديث، وهو من أعلم هذه
الأمة بعِلَلِ الحديث؟ أنسي الغزالي مقدار فقه الأئمة: الزُّهْري وسفيان بن
عُيَيْنة والأوزاعي وسُفيان الثوري؟ أم لعله لم يعرف أن الإمام البخاري كان إماماً
مجتهداً من كبار فقهاء عصره؟ وهل تراه اطلع على تعليقات الإمام الترمذي الفقهية في
سننه، والتي تعبّر عن ملكةٍ فقهيةٍ متميزة؟ وكيف يتهم أهل الأثر والحديث بأنهم لم
يفهموا القرآن، وفيهم إمام المفسرين ابن جرير الطبري الذي كان له مذهباً فقهياً
كاملاً؟ وهل نسي ابن خزيمة والدارقطني والنسائي وهم من فقهاء الشافعية؟
فإن كنت تدري فتلك
مصيبةٌ وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم
فكان
هناك تلازمٌ –أيام السلف الصالح– بين الفقه وعلم الحديث. لكنه ظهر عند المتأخرين
فرقٌ بين الفقهاء والمحدثين بسبب ضعف الملكة العلمية. فصرت تجد محدّثاً يحشو كتابه
بالأحاديث الضعيفة. ومع ذلك فلا يسع أحداً أن ينكر وجود الكثير من الأئمة ممن
برعوا بالفقه والحديث معاً كالنووي وابن تيمية وابن كثير وابن رجب وابن حجر
والسيوطي والشوكاني وغيرهم. وهؤلاء كلهم قاموا بنقد المتون، لكن ليس على الاعتبار
العلماني أو المعتزلي الذي يريده "العقلانيون". ولذلك يأتينا منهم اليوم
من يزعم أن أحداً من علماء الأمة طوال 1400 سنة لم ينتقد هذه الأحاديث الضعيفة
(بنظره)، حتى جاء "فضيلته" لينقذ الأمة من الضلال! فنعوذ بالله من البهتان.
قد
أوردنا في هذا البحث ملخصاً لما ذكره الإمام الشافعي الأم (7\298) في إبطال
الاستحسان، أي أن يفتي المفتي برأيه بغير دليل. ولا شك أن الإمام الشافعي لم يقصد
في بحثه هذا الاستحسان عند الأحناف وعند شيخه محمد بن الحسن. إذ أنه قد صرّح –كما
أسلفنا– في كتابه الموسوم بالرد على محمد بن الحسن، أن الأصل الذي يذهب إليه
الإمام محمد بن الحسن في الفقه أنه لا يجوز أن يقال بشيء من الفقه إلا بخبر لازم
أو قياس. لكن المقصود من الاستحسان هنا هو أن يقول المرء أستحسن كذا فيجعل الحرام
والحلال بناءً على مزاجه الشخصي وهواه، وهو لا شك أنه حرام لا يجوز.
قال
الإمام الشافعي ما ملخصه: لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكما أو مفتيا أن يحكم ولا
أن يفتى، إلا من جهة خبر لازم: وذلك الكتاب ثم السنة أو ما قاله أهل العلم لا
يختلفون فيه (أي الإجماع) أو قياس على بعض هذا. ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتى
بالاستحسان.
قال
الله –عز وجل– لنبيه r: ]اتبع ما أوحى إليك من ربك[، وقال: ]وأن احكم بينهم بما أنزل الله
ولا تتبع أهواءهم... الآية[. وجاءته
امرأة أوس بن الصامت تشكو إليه أوساً، فلم يجبها حتى أنزل الله –عز وجل–: ]قد سمع الله قول التي تجادلك في
زوجها[. وجاءه العجلاني يقذف امرأته، قال لم
ينزل فيكما، وانتظر الوحي. فلما نزل دعاهما فلاعن بينهما كما أمره الله عز وجل.
وقال لنبيه: ]وأن
احكم بينهم بما أنزل الله[. وقال عز
وجل: ]يا
داود إنـّا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق... الآية[. وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق إلا وقد علم الحق ولا يكون الحق
معلوما إلا عن الله نصا أو دلالة من الله فقد جعل الله الحق في كتابه ثم سنة نبيه
صلى الله عليه وسلم فليس تنزل بأحدٍ نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصا أو جملة.
ومن
قال أستحسن لا عن أمر الله ولا عن أمر رسوله r، فلم يَقبل عن الله ولا عن رسوله ما قال، ولم يَطلب ما قال بحكم
الله ولا بحكم رسوله، كان الخطأ في قول من قال هذا بيناً: بأنه قد قال: "أقول
وأعمل بما لم أًومر به ولم أًنـْه عنه!". ومن استجاز أن يَحكم أو يفتي بلا
خبر لازم ولا قياس عليه، كان محجوجاً بأن معنى قوله: "أفعل ما هويت وإن لم
أومر به"، مخالفٌ معنى الكتاب والسنة. فكان محجوجاً على لسانه!
ثم
إذا جاز للشيخ أن يفتي بمجرد رأيه وهواه، فلماذا لا يجوز لعلماء الفيزياء
والرياضيات مثلاً أن يفتوا في أمور الدين؟ فإن قال "المتعقلون" لأن علماء
الرياضيات لا يعرفون شيئاً عن أصول الفقه، قلنا لهم طالما أنكم تفتون دون استنادٍ
إلى كتابٍ أو سُنة، فما فائدة أصول الفقه إذاً؟ فإذا كان عندكم رأي في الدين ليس
عليه دليلٌ لا من الكتاب ولا من السنة، فكل رَجُل له آراء ليس لها دليل. فإن زعمتم
أن كل إنسان يحق له أن يفتي بالدين بغير علم ولا دليل، صرتم أضل الناس كلهم بنص
القرآن. قال الله تعالى: ]فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ
فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ
هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ[ (القصص:50). وقال كذلك: ]أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ
وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً؟ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ
اللَّهِ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟[
(الجاثـية:23). وقد نهى الله أشدّ النهي عن اتباع من يتبع هواه، فقال: ]وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[ (الكهف: من الآية28).
قال
الإمام الشافعي: لا أعلم أحداً من أهل العلم رخَّص لأحدٍ من أهل العقول والآداب في
أن يُفتى ولا يَحكم برأي نفسه، إذا لم يكن عالماً بالذي تدور عليه أمور القياس من
الكتاب والسنة والإجماع والعقل لتفصيل المشتبه. فإذا زعموا هذا، قيل لهم: ولِم لَم
يَجُز لأهل العقول التي تفوق كثيراً من عقول أهل العلم بالقرآن والسنة والفتيا، أن
يقولوا فيما قد نزل مما يعلمونه معاً أن ليس فيه كتابٌ ولا سنةٌ ولا إجماعٌ؟ وهم
أوفر عقولاً وأحسن إبانةً لما قالوا من عامتكم! فإن قلتم لأنهم لا علم لهم
بالأصول، قيل لكم: فما حجتكم في علمكم بالأصول إذا قلتم بلا أصل ولا قياس على أصل؟
هل خفتم على أهل العقول الجهلة بالأصول أكثر من أنهم لا يعرفون الأصول فلا يحسنون
أن يقيسوا بما لا يعرفون؟ وهل أكسبكم علمكم بالأصول القياس عليها أو أجاز لكم
تركها؟ فإذا جاز لكم تركها، جاز لهم القول معكم، لأن أكثر ما يخاف عليهم ترك
القياس عليها أو الخطأ.
بل
إن أهل العقول الجهلة بالأصول أحسن حالاً منكم، لأنهم لم يعرفوا مثالاً فتركوه.
وأعذر بالخطأ منكم، لأنهم أخطئوا فيما لا يعلمون. ولا أعلمكم إلا أعظم وِزراً
منهم، إذ تركتم ما تعرفون من القياس على الأصول التي لا تجهلون. فإن قلتم: فنحن
تركنا القياس جهالةً بالأصل، قيل: فإن كان القياس حقاً فأنتم خالفتم الحق عالِمين
به! وإن زعمتم أن واسعاً لكم ترك القياس والقول بما سنح في أوهامكم وحضر أذهانكم
واستحسنته مسامعكم، حُجِجتم بما وصفنا من القرآن ثم السنة وما يدل عليه الإجماع:
من أن ليس لأحد أن يقول إلا بعلم.
قال
الإمام الشافعي: أفرأيت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة التي ليس فيها نص خبرٍ
ولا قياس: «أستحسن». فلا بد أن يزعم أنه جائزٌ لغيره أن يستحسن خلافه، فيقول كل
حاكم في بلد ومفتٍ بما يستحسن. فيُقال في الشيء الواحد بضروبٍ من الحُكم والفتيا.
فإن قال أحد المتعقلين: بل على الناس اتباع ما قلت، قيل له: من أمر بطاعتك
حتى يكون على الناس اتباعك؟! أو رأيت إن ادعى عليك غيرك هذا؟ أتطيعه أم
تقول لا أطيع إلا من أُمرت بطاعته؟ فكذلك لا طاعة لك على أحد! وإنما الطاعة لمن
أمر الله أو رسوله بطاعته، والحقّ فيما أمر الله ورسوله باتباعه، ودلّ الله ورسوله
عليه نصّاً أو استنباطاً بدلائل.
وهنا
يقول أهل الباطل "العقلانيون": أليس لكل مجتهدٌ نصيب؟ ونحن اجتهدنا
برأينا فإن أخطأنا فنحن معذورون لأننا مجتهدون. و العلماء كثيراً ما يختلفون في
الأمور الفقهية، وكل واحدٍ منهم معذورٌ إن أخطأ.
نقول
مستعينين بالله: شتان شتّان ما بينكم أيها "العقلانيون" وبين علماء أهل
السنة والجماعة. فإن العالم لا يجوز أن يفتي ويجتهد إلا بناءً على علمٍ راسخٍ
بالقرآن والسنة وأصول الفقه، وإلا لما صار مجتهداً معذوراً بل هو آثمٌ باجتهاده.
قال الإمام الشافعي: «ولا ينبغي للمفتي أن يفتى أحداً إلا متى يجمع أن يكون:
عالماً علم الكتاب وعلم ناسخه ومنسوخه وخاصِّه وعامِّه وأدبه، وعالماً بسنن رسول
الله r، وأقاويل أهل العلم قديماً وحديثاً،
وعالماً بلسان العرب، عاقلاً يميز بين المشتبه ويعقل القياس. فإن عَدِمَ واحداً من
هذه الخصال، لم يَحُلّ له أن يقول قياساً».
ولنفرض
أن رجُلين أرادا تحديد جهة القبلة. فالأول عنده بوصلة، والثاني لا يعرف ما هي
البوصلة لكنه يستخدم الشمس والنجوم لتحديد جهة القبلة. فعلى كل رجلٍ منهم أن يبذل
قصارى جهده في تحديد جهة القبلة. فإن اختلف اجتهادهما، كان على كلّ واحدٍ منهما أن
يصلّي حيث يرى، ولا يتبع صاحبه إن كان يظنّ نفسه على صواب. ولا شكّ أنه لا يمكن أن
يكون كلاهما على صوابٍ، لأن الكعبة لا تكون في جهتين معاً. لكنهم غير مؤاخذين إن
أخطئوا كونهم بذلوا كل ما في جهدهم للوصول للاتجاه الصحيح. وهذا معنى الحديث
الصحيح: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر».
فلا
بُدّ أن يجتهد للوصول إلى الحق بناء على الوسائل التي شرّعها الله له. أما لو أن
رجلاً زعم أنه ليس بحاجة للبحث عن اتجاه القبلة وأنه يستطيع الصلاة إلى أي اتجاه
شاء، أو أنه قام بتحديد جهة القبلة بناءً على مزاجه الشخصي وهواه، فهذا لا ريب أنه
ضالٌّ وأن صلاته غير مقبولة. وهذا أمرٌ لا يختلف عليه أحدٌ أنعم الله عليه بنعمة
العقل.
قال
الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: «قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث
في حاكمٍ عالِمٍ أهلٍ للحُكم. فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته،
وإن أخطأ فله أجر باجتهاده. وفي الحديث محذوف تقديره: إذا أراد الحاكم فاجتهد.
قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم. فإن حَكَمَ فلا أجرَ له، بل هو
آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا. لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل
شرعي. فهو عاصٍ في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا. وهي مردودة كلها، ولا
يُعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في الحديث في السنن "القضاة ثلاثة: قاض
في الجنة، واثنان في النار. قاضٍ عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة. وقاضٍ عرف الحق
فقضى بخلافه فهو في النار. وقاضٍ قضى على جهل فهو في النار"».
قال
القرضاوي في كتابه "كيف نتعامل مع السنة" ص96 حين ذكر الحديث الصحيح:
«الوائدة والموءودة في النار»[هذا الحديث صحيحٌ لا مطعن فيه. وقد ألزم الدارقطني
البخاري ومسلم بإخراجه في صحيحيهما كما في كتابه الإلزامات والتّتبّع (ص99).
والحديث أخرجه أبو داود في سننه (4\230)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه
أحمد ورجاله رجال الصحيح». وقد ذكر البخاري بعضاً من طرق الحديث في تاريخه (4\72).
والحديث صحّحه ابن حبان (16\522)، والألباني في صحيح أبي داود (3948) وفي المشكاة
(112).]. قال ما نصه:
«حين
قرأت الحديث، انقبض صدري (!!!)، وقلت: لعل الحديث ضعيف، فليس كل ما رواه أبو داود
في سننه صحيحاً كما يعلم أهل هذا الشأن. ولكن وجدت من نصّ على صِحته».
و
كتاب "كيف نتعامل مع السنة النبوية" ألفه فضيلة الشيخ القرضاوي مُسانداَ
لكتاب رفيقه المعتزلي الغزالي المسمى "السنة النبوية بين أهل الفقه و أهل
الحديث" [والصواب في إسم كتابه هو "السنة النبوية بين أهل الهوى وأهل
السنة"، كما سنوضح في كلامنا عن الغزالي نفسه]. حيث أن الغزالي ألف ذاك الكتاب
استجابة لطلب "معهد الفكر الإسلامي" لصاحبه المعتزلي الخبيث "طه
جابر علواني"، من أجل محاربة السنة. قال العلواني في مقدمة كتاب القرضاوي
(ص9): «و حين رأى المعهد الغَبش الذي أحاط برسالة كتاب الشيخ الغزالي، و شغل معظم
الأذهان عن رسالته الأساسية و شكلياته، توجّه برجائه إلى صاحب الفضيلة الأستاذ
الجليل الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى و نفع به، ليُعِدّ كتاباً ضانياً في
منهاج فهم السنة». قلت والصواب: منهاج رد السنة.
ولعل
السؤال الذي نطرحه هنا ومنذ متى أصبح الشيخ القرضاوي محدّثاً حتى يكتب في الحديث؟
ولكنه كما قال النبي r: «المتشبع
بما لم يعط، كلابس ثوبي زور» [أخرجه مسلم (2130)].
والحديث
بقصته كاملاً أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن سلمة بن يزيد الجعفي t قال: انطلقتُ أنا وأخي إلى رسول الله r. قلنا: «يا رسول الله. إن أُمَّنا مُلَيْكَةَ كانت تَصِلُ
الرَّحِمَ، وتَقْري الضّيفَ، وتفعلُ وتفعل. هَلَكَتْ في الجاهلية. فهل ذلك
نافِعُها شيئاً؟». قال: «لا». قلنا: «فإنها كانت وَأَدَتْ أُختاً لنا في الجاهلية،
فهل ذلك نافِعُها شيئاً؟». قال: «الوائِدَةُ والموْءُودَةُ في النار. إلا أن
تُدرِكَ الوائِدَةُ الإسلام، فيعفو الله عنها».
أما
عما أشكل عليه، فلو رجع لشرح الحديث لوجد جواب الحديث. فالوائدة تستحق النار،
لقيامها بهذا العمل الشنيع، وهو دفن الطفلة الوليدة حَيّة. والموءودة هي الموءودة
لها وهي أم الطفلة التي دفنوا ابنها برضاها. وبعضهم حمل الحديث على أنه في المرأة
التي يسألون عليها وليس على سبيل العموم. ولم يَرُدَّ أحدٌ من العلماء الأثبات هذا
الحديث الصحيح لأنه لم يوافق هوائهم ومزاجهم!!
وأما
قول القرضاوي "انقبض صدري…"، فنقول: روى اللالكائي في كتاب شرح أصول
اعتقاد أهل السنة والجماعة (3\430) عن بقية قال: قال لي الأوزاعي (إمام الشام):
«يا أبا محمد. ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟!». قلت: «قوم سوء». قال: «ليس من
صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله r بخلاف
بدعته، إلا أبغض الحديث». قلت: «صدقت وربّ الكعبة». وقال الإمام الأوزاعي كذلك: «
إذا بلغك عن رسول الله r حديث فلا
تظنـّنّ غيره، فإن محمداً r كان
مبلِّغاً عن ربه».
قال
فضيلة الشيخ القرضاوي في الكتاب المشؤوم نفسه (ص97): «ومثل ذلك الحديث الذي رواه
مسلم عن أنس مرفوعاً: "إِنَّ
أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ". قاله جواباً لمن سأله عن أبيه
أين هو؟ وقلت (الكلام للشيخ القرضاوي): ما ذنب عبد الله بن عبد المطلب حتى يكون في
النار، وهو من أهل الفترة؟ والصحيح أنهم ناجون!!! ومن ناحية أخرى: ما ذنب
أبي الرجل السائل؟ والظاهر أن أباه مات قبل الإسلام. لهذا توقفت في الحديث حتى
يظهر لي شيء يشفي الصدر. أما شيخنا الغزالي فقد رفض الحديث صراحة لأنه
ينافي قوله تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً[. ولكني أوثر في الأحاديث الصحاح التوقف فيها دون ردها بإطلاق!»
انتهى.
أقول:
ما أجرأ القرضاوي على أحاديث النبي r –بأبي
وأمي هو–. فكلمة والصحيح: تعني أن ما قاله النبي r ليس بصحيح. ثم استشهد بكلام شيخه العقلاني الغزالي بأنه رد الحديث
صراحة. أقول: قاتل الله أهل الأهواء الذين يقدمون عقولهم الناقصة على أحاديث النبي
r. قال الإمام النووي –رحمه الله– معلقاً
على الحديث في شرحه لصحيح مسلم (3\79): «فيه أن من مات على الكفر فهو من أهل النار
ولا تنفعه قرابة المقربين. وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من
عبادة الأوثان فهو من أهل النار. وليس هذا مؤاخذه قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت
قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء –صلوات الله تعالى وسلامه
عليهم–». وما ذهب إليه الإمام النووي هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة
منها:
1.
قوله r: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار. كان أول من سيب
السوائب». أخرجه الشيخان.
2.
سألته أمنا عائشة t: «يا رسول الله. ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحِم ويطعم
المسكين. فهل ذاك نافعه؟». فقال: «لا ينفعه. إنه لم يقل يوماً: ربِّ اغفر لي
خطيئتي يوم الدين» أخرجه مسلم.
3.
رؤيته r في صلاة الكسوف صاحب المحجن يجر قصبة في النار، لأنه «كان يسرق
الحاج بمحجنه». أخرجه مسلم.
قال
القرافي في شرح تنقيح الفصول (ص297): «حكاية الخلاف في أنه عليه الصلاة والسلام كان
متعبدا قبل نبوته بشرع من قبله يجب أن يكون مخصوصا بالفروع دون الأصول، فإن قواعد
العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعا.
ولذلك انعقد
الإجماع على أن موتاهم في النار يعذبون على كفرهم
، ولولا التكليف لما عذبوا ، فهو عليه الصلاة والسلام
متعبد بشرع من قبله -بفتح الباء -بمعنى مكلف
لامرية فيه،إنما
الخلاف في الفروع خاصة ، فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع».
وقد
بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين العلامة إبراهيم الحلبي في رسالة مستقلة، وكذلك العلامة الحنفي الملاّ علي
بن سلطان القارئ (ت1014هـ) في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلة
أسماها: "أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول عليه الصلاة
والسلام". وقد أثبت بذلك الكتاب تواتر الأدلة والأحاديث على صِحّة معنى هذا
الحديث وعدم نجاة والدي الرسول –عليه أتمّ الصلاة والتسليم–. وقد نقل الإجماع على
تلك القضية فقال في ص84: «وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة
والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما
هُنالك. والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف
أو صنف الموافق».
ومن
الواضح أن الشيخ القرضاوي قد تأثر شديد التأثر بالغزالي في كثير من أقواله، حيث
يقول الغزالي الهالك: «أما الذي أرفضه وقد حاربته بضراوة، فهو سفاهة بعض الأولاد
الذين يتنقلون في العالم الإسلامي، وينشئون عقيدة جديدة (!!) أن أبا الرسول وأمه
في النار». وهكذا يصبح جميع علماء المسلمين من السلف الصالح مجرد أولاد سفهاء
يحاربهم الغزالي بضراوة. هذا الغزالي هو الذي يقول في الحديث الصحيح المتواتر الذي
أخرجه الإمام مسلم "إِنَّ
أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ": «هذا حديث يخالف القرآن، حطّه
تحت رجليك (!!)». فلا حول و لا قوة إلا بالله. و هذا في شريط مسجل في تاريخ
5/4/1988م، و في مناقشة رسالة العبد الشريفي في جامعة الجزائر المركزية. فتأمّل
قلة أدب هذا المعتزلي الغزالي مع حديث رسول الله r –بأبي وأمي هو– وقوله «حطه تحت رجليك». فهذا من الإيذاء المتعمد
لرسول الله r، والله تعالى يقول: ]إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ
لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً[
(الأحزاب:57). وهي أشد بمراتٍ من قول أحد المنافقين: «ما أرى قراءنا هؤلاء إلا
أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء» كما سيمر معنا في بحث الرد
على المرجئة بإذنه تعالى.
ومن
الملاحظ أن الشيخ القرضاوي قد فاق شيخه تدليساً وتلبيساً. فالغزالي كان يُصرِّح
بردِّ السُّنة، ويُقِرُّ الضلال علانيةًً. ومن هنا وقف علماء السنة بوجه كتابه
بقوةٍ وحزم، حتى تركه الناس وأفل نجمه. ولكن الشيخ القرضاوي يميل إلى المكر
والمراوغة لإقرار وتثبيت باطله، نسأل الله السلامة والعافية. وقوله أنه لا يفضّل
رد الحديث الصحيح بإطلاق، هو تلبيسٌ واضحٌ لأنه قد ردّ الحديث فعلاً! فرسول الله
الصادق الأمين r –الذي لا
ينطق عن هو إن هو إلا وحيٌ يوحى– يقول بصراحة للرجل: «إن أبي وأباك في النار».
والقرضاوي ينكر ذلك ويقول: «والصحيح أنهم ناجون». فمن الصادق ومن الكذّاب؟
ثبت
في صحيح البخاري أن رسول الله r قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ
وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً». قال الشيخ القرضاوي: «هذا مقيد
بزمن الرسول r الذي كان الحكم فيه للرجال استبداديا،
أما الآن فلا!» [برنامج في قناة art بتاريخ
4/7/1418 هـ و هو ندوة عقدت للقرضاوي مع جمع من المتبرجات ليحاكم لهم النصوص
النبوية. و قد رد عليه عبد الرحمن عبد الخالق في "ردود و مناقشات حول تولي
المرأة الولايات العامة"].
قلت:
أولاً: من يا تُرى يقصد القرضاوي في قوله "الرجال" الذين كان حكمهم
استبداديا في زمن الرسول r؟ أتراهم
رسول الله r وصحابته الكرام؟ أم الخلفاء الراشدين
رضوان الله عليهم؟ أترك الجواب لك يا فضيلة الشيخ.
ثانياً:
يا فضيلة الشيخ، إن كان هذا الأمر مقيد بزمن النبي r كما تدعي، فأين التقييد؟ وأين البرهان؟ ]قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين[. أم أنه مجرد استحسانٌ بالرأي الشخصي؟ قال الإمام ابن حزم (وهو
الإمام الذي تكثر الاستشهاد بك) في الأحكام (1\134): «فمن حَكَمَ في دينِ الله –عز
وجل– بما استَحسَنَ وطابت نَفْسُه عليه دُون برهانٍ من نصِّ ثابتٍ أو إجماع، فلا
أحَدَ أضَلُّ منه، وبالله تعالى نعوذ من الخِذلان».
ثالثاً:
إذا كان هذا مقيد في زمن النبي r و مسلمات
ذلك الزمان خير نساء العالمين، ومع ذلك لم تتولى المرأة أي ولاية كانت. فهل معنى
هذا أن النساء اليوم خيرٌ و أفقه و أعلم من نساء ذلك الزمان حتى نوليهن الولايات؟
عسى أن يكون عند فضيلة الشيخ جوابٌ على هذا السؤال!
ثبت
في صحيح مسلم (2167) أن رسول الله r قال: «لا
تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه».
أما فضيلة الشيخ القرضاوي فيرفضه بشدة، لأنه يسيء إلى "إخوانه" النصارى.
واستمع لحوار بين الشيخ المربي وتلميذه المريد في "قناة الجزيرة":
المقدم:
لكن كيف يا فضيلة الشيخ نحقق هذا الأمر في وجود الفتاوى (!!!!) التي تدعو إلى أن
نضطرهم إلى أضيق السبل، وإلى عدم جواز بدأهم بالسلام، وإلى عدم جواز تهنئتهم في
المناسبات والأعياد، يعني الأمور التي تؤلف القلوب؟ هناك من الناس ومن العلماء
الذين يعيشون في الغرب يحرِّمون مثل هذه الأمور.
القرضاوي:
أنا والله أخالف هذا في الحقيقة!!! وأرى أن الدستور الذي حدده
القرآن في التعامل مع المسلمين نجده في آيتين من كتاب الله في سورة الممتحنة يقول
الله تعالى ]لا
ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم
وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين
وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم[. فالذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا
على إخراجنا، مطلوب منا أن نقسط إليهم وأن نبرهم. القسط هو العدل والبر هو
الإحسان، يعني القسط هو أنك تعطيهم الحق، البر أنك تعطيهم فوق الحق، العدل أو
القسط أنك تأخذ مالك تماماً، البر أن تتنازل عن بعض مالك يعني أعلى من القسط والعدل،
فهذا هو المطلوب. يعني ربنا اختار للتعامل مع هؤلاء الكلمة التي اختارها
للتعامل مع الوالدين، بر الوالدين حين قال "أن تبروهم". فهذا البر ليس
معناه أن تُضمر لهم العداوة وتبتعد عنهم. الأحاديث التي جاءت هذه جاءت في مناسبات
معينة، إنما الآن لكي تنشر الإسلام وتؤلف القلوب عليه وتحببه إلى الناس
لابد أن تفعل هكذا [أي لا بد أن تخالف الحديث الصحيح حتى تنشر الإسلام!]. يعني إذا
أنت عشت عدة سنوات في بريطانيا وكان لك جيران من هؤلاء وزملاء يدرسون معك طيب هم
يأتون في عيد الفطر ويقولوا لك عيدك مبارك أو نحو ذلك أو في عيد الأضحى، المفروض
أنت تقول لهم في عيدهم هذا (!). الله تعالى يقول ]وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن
منها أو ردوها[. سيدنا عبد الله بن عباس جاء واحد مجوسي
وقال له: السلام عليكم فقال: وعليكم السلام ورحمة الله، فقال أصحابه: تقول له
"ورحمة الله"؟ قال: أليس في رحمة الله يعيش؟ هو عايش في رحمة الله. هم
استكثروا أن يقول لمجوسي "ورحمة الله". ]وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن
منها أو ردوها[. إذا كنا نريد أن نحقق عالمية الإسلام
ونحبِّب هؤلاء الناس في الإسلام، فلابد أن نقترب منهم وأن نريهم حسن أخلاق
المسلمين. وهذا ما صنعه المسلمون قديماً. الإسلام لم ينتشر في العالم
بالسيف كما يقول المبشِّرون والمستشرقون وأمثالهم الإسلام انتشر بأخلاق المسلمين
[المرجع: قناة الجزيرة: برنامج الشريعة والحياة، (فقه الجاليات الإسلامية في
الغرب، الحلقة 1) 2/5/1999].
قلت
تأمل تعمّد مخالفة الحديث وتحريف الكَلم عن مواضعه. فليس من أدنى تعارض بين الآية
والحديث. وهل الآية تأمرنا بالبدء بالسلام؟! قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في
تفسير الآية (5\189): «تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به. فإن
بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال. فأما أهل الذمة فلا
يبدؤون بالسلام ولا يُزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين: عن ابن عمر أن
رسول الله r قال: "إذا سلم عليكم اليهود، فإنما
يقول أحدهم السام عليكم، فقل وعليك". وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة أن رسول
الله r قال: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى
بالسلام. وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه"».
وعلى
أية حال فالمقولة المنسوبة لإبن عباس –والتي استشهد بها الشيخ القرضاوي– موضوعة
ضعيفة، وإسنادها مظلمٌ لا تقوم بها حجة [ذلك أن في إسناده سماك بن حرب عن عكرمة.
وسماك هذا: قال الذهبي: ساء حفظه. وقال محمد بن عبد الله بن عمار: «يقولون أنه كان
يغلط. ويختلفون في حديثه». كذا في الكواكب النيرات (1\45). وقال يعقوب: «روايته عن
عكرمة مضطربة» (كما هي الحال هنا). قال النسائي: «كان ربما لُقِّن. فإذا انفرد
بأصل لم يكن حجة، لأنه كان يُلَقَّن فيَتَلقّن»، كما في التهذيب. وقال أحمد:
«مضطرب الحديث. وكان شُعبة يضعّفه، خاصّةً في التفسير عن عكرمة عن ابن عباس». وقال
ابن المديني عن روايته عن عكرمة: مضطربة! وسماك نفسه ضعّفه جماعة مثل ابن المبارك.
فهذه رواية باطلةٌ منكرة إضافة للنكارة في متنها.]. فكيف لو عارضها الحديث الصحيح
المرفوع؟
ثبت
في صحيح البخاري أن رسول الله r قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ
نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ
إِحْدَاكُنَّ».
قال
القرضاوي في نفس الندوة: «إن ذلك كان من الرسول على وجه المزاح».
قلت:
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
فيما
يلي رد لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق [الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد
الخالق أصله من مصر، ويقيم حالياً في الكويت. ويمكن الاطلاع على هذا المقالة
كاملةً من موقعه: http://www.salafi.net/articles/article2.html] على إنكار الشيخ القرضاوي لبعض الأحاديث الصحيحة، وخرقه الإجماع
حول عدم صحة تولي المرأة للولايات العامة.
في
مجلس خلا... جلس الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتورة آنا صوفيا الأستاذة
بجامعة السويد، وامرأة أخرى، وعميد كلية الدراسات الإسلامية في السودان، وحولهم
جمهور مختلط من المتبرجات، والشباب، وعبر المحطة الفضائية A.R.T تلفزيون وراديو العرب. وبإدارة عريف للندوة مشعان ثائر الرأس يقف
على قدميه، وذلك ليلة الثلاثاء 4 من رجب الحرام سنة 1418هـ الموافق 3 من شهر
نوفمبر سنة 1997م، جلس الجميع يحاكمون نصوص القرآن والسنة بخصوص ولاية المرأة
وشهادتها.
وكان
مما حكموا به على هذه النصوص ما يلي:
أولاً:
ما ادعاه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أن حديث أبي بكرة t في الصحيح ولفظه: قال أبو بكرة: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من
رسول الله r أيام الجمل - بعد ما كدت ألحق بأصحاب
الجمل فأقاتل معهم. قال أبو بكرة: لما بلغ رسول الله r أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امـــرأة» البخاري.
قال
الشيخ القرضاوي بعد ذكره لهذا الحديث ما معناه ومؤداه: إن هذا الحديث لا يؤخذ منه
بمفرده حكم وأن نصوص القرآن والسنة قد جاءت على خلافه. وأنه مقيد بزمان الرسول صلى
الله عليه وسلم الذي كان الحكم فيه للرجال استبدادياً، وأما الآن فلا. وأنه قال
بخلافه ابن حزم. ورأى أنه تولى المرأة كل الولايات إلا الولاية العظمى. وأنه لا
يقال هنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن هذه القاعدة مختلف فيها!!
وأنه لا بأس أن تتولى المرأة ولاية أية دولة من دول المسلمين لأن هذه ليست هي
الولاية العظمـى. وإنما الولاية العظمى هي الخلافة التي ينضوي المسلمون جميعاً
تحتها. وأضافت د. صوفيا إلى كلام الشيخ القرضاوي أن هذا الحديث حديث أبي بكرة لم
يروه إلا أبو بكرة فقط من الصحابة.
ثم
تطرق الشيخ القرضاوي إلى حديث أبي سعيد الخدري t في الصحيح والذي جاء فيه «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب
الرجل الحازم من إحداكن»، فقال الشيخ القرضاوي إن ذلك كان من الرسول على وجه
المزاح كما يقول القائل: يا بنات الـ والـ. ثم أردفت الدكتورة مؤيدة كلام القرضاوي
أن الأمر كان مزاحاً للنساء لأنه كان يوم عيد. ثم أخذ الكلمة عميد كلية الدراسات
الإسلامية بالسودان فأدعى أن الواقع عنده في الكلية أن النساء أعظم حفظاً، وأعلى
فهماً من الرجال وأن آية الدين لا تدل على أن عقل الرجل أرجح من عقل المرأة. بل إن
هناك أمور لا تشهد فيها إلا النساء. وكان المشهد يتخلله التصفيق من النساء والرجال
كلما ذكر أحد المتحدثين ما يرد به الآية والحديث. وعقبت المتحدثة الرابعة في
المجموعة قائلة بلهجة التحدي: أريد أن أعرف لماذا كان تصويت المرأة في الانتخابات
مساوياً لصوت الرجل، وفي الشهادة على النصف، وضربت بيدها على فخذها تحدياً
وغروراً. وللأسف فقد أقرها الجميع على هذا التناقض الذي ادعت أنه لا مبرر له.
وقد
رأيت وأنا أشاهد هذا المشهد البائس كيف وضع فيه حديث الرسول r في قفص الاتهام؟! وجعلت آيات القرآن، محلاً للتندر لا للتذكير
والاعتبار. رأيت أن من واجبي وقد شاهدت ذلك أن أقول ما أعلم أنه الحق مخافة
الكتمان، وأن من واجبي أن أرد عن كتاب الله، وحديث رسوله هذه الشبهات، والله
المستعان فأقول:
أولاً:
1-
حديث أبي بكرة t حديث صحيح
رواه الإمام مسلم في صحيحه، وقد مضى نصه، وفيه أن أبا بكرة t رجع من الطريق، وقد كان ذاهباً للقتال مع الزبير بن العوام، وطلحة
بن عبد الله الذين خرجوا من المدينة مطالبين بقتل قتلة عثمان. وقد كان سبب رجوع
أبي بكرة من الطريق أن أم المؤمنين عائشة t الصديقة بنت الصديق كانت مع الجيش. علماً أنهم لم يؤمروها عليهم،
ولم تكن هي التي تقود الجيش، ولا إليها يرجع الأمر، إلا أن أبا بكرة تذكر قول
النبي r في بنت كسرى: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم
امرأة». وقد فهم أبو بكرة أن هذا الحديث على عمومه في كل قوم، وفي كل امرأة ولو
كانت هي أم المؤمنين عائشة معلمة الرجال الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها تعالى.
وقد
استدل بهذا الحديث جميع علماء الأمة وسادتها ممن يرون أنه لا تولى المرأة الولاية
العامة، وسواء كان ذلك على المسلمين جميعاً في كل الأرض أو على فريق منهم، وهذا
إجماع بين علماء المسلمين في جميع عصورهم، ولم يشذ عن ذلك إلا من لا يؤبه بخلافة
كبعض فرق الخوارج.
2-
لم يأت نص في القرآن والسنة يعارض عموم هذا الحديث، بل جميع النصوص مؤيدة لذلك
كقوله تعالى ]الرجال
قوامون على النساء[، وقوله تعالى:
]يا
أيها الدين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم ناراً[، وقوله تعالى: ]فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن
لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء[. ولذلك فقول الشيخ القرضاوي إن حكم،ولاية المرأة لا يؤخذ من حديث
أبي بكرة بمفرده، موهماً آن نصوص القرآن والسنة قد جاءت بخلاف ذلك، قول غير صحيح.
فإن النصوص جاءت بتأييد هذا المعنى. وأما ما استدل به الشيخ القرضاوي أن القرآن قد
جاء بخلاف ذلك كقوله تعالى: ]والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض[، وقوله سبحانه: ]إن المسلمين والمسلمات...[ الآية، فإن هذه النصوص لا تخالف حديث أبي بكرة. فكون المرأة مكلفة
كالرجل بالإيمان والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يعني تساويها
مع الرجل في كل وجه، ولا أن لها حق الولاية العامة، وإمامة المسلمين! ولا أن من
ولوا أمرهم امرأة كانوا من الفالحين الفائزين. فأين النصوص من القرآن والسنة التي
جاءت مخصصة عموم هذا الحديث أو مقيدة مطلقة؟
3-
هذا عمل أهل الإسلام في كل عصورهم هل كان هناك عمل بخلاف ذلك؟!
4-
وأما قول الشيخ القرضاوي –عفا الله عنا وعنه– إن حديث الرسول: «لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امرأة» كان مختصاً بزمان النبي r الذي كان
فيه الحكم استبدادياً، وكان للرجال وحدهم، وأما الآن فالحكم ديمقراطي شوري مؤسسي،
فهو كلام خطيرٌ وكبير. فإن النبي r قد أطلق
حكماً عاماً بلفظ عام لا يختص بزمانه، ولا بقوم دون قوم فقال: «لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امرأة». وجعل مثل هذا النص مقيداً بالزمان الذي كان فيه النبي r اتهام للنبي بالعي عن البيان. ثم أن هذه شبهة كبيرة يمكن أن يبطل
بها كل الأحكام بدعوى أن زمانها قد ولى وفات ونحن في زمان غير ذلك الزمان. وهذه
حجة من يعترض الآن على جميع التشريعات الإلهية في المواريث والزواج والطلاق،
والعقوبات، بل والمال والسياسة والحكم. فما هو رد الشيخ القرضاوي على من أخذ بهذه
الشبهة وقال إن قطع يد السارق ورجم الزاني، وقتل القاتل، إنما كان لعلاج أقوام
غلاظ قساة، فجاء الحكم قاسياً من أجل تأديبهم، وأما في عصر التنوير والرحمة
والإحسان فإن العقوبة المخففة أولى؟! ومن يعترض بمثل هذه الاعتراضات على سائر ما
شرع الله لعباده؟!
5-
قول الشيخ القرضاوي –عفا الله عنا وعنه– أن قول الرسول r: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» إنما كان مختصاً بوقت كان الحكم
فيه للرجال استبداداً، وأما الآن فلا.. قول يخالفه الواقع. بل لو عكس هذا القول
فقيل إن الاستبداد في هذه الأزمان أكثر شيوعاً، وأشد مما كان في العصور السابقة
لكان أقرب إلى الصواب. ثم إنه في الأمم السابقة عرباً وعجماً كانت المرأة تتولى
الولايات العامة أحياناً. فقد عرف الفرس والروم والقبط وغيرهم ولاية المرأة. فقد
عرف العرب ملكة سبأ، والزباء، بل كان في العرب من ادعت النبوة، وقادت الجيوش
كسجاح. وقد أخبرنا الرب –سبحانه وتعالى– عن ملكة سبأ وأن ملكها كان في غاية الأبهة
والفخامة، وشدة الأركان، وأن أمرها كان قائماً على الشورى: ]قالت ياأيها الملأ أفتوني في
أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون[. فالملأ
هو علية القوم وأهل الرأي. وقولها: ]ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون[ هو أعظم مبادئ الشورى، وأن الملك لا يقطع بأمر ما حتى يشهد الجميع
ويدلوا برأيهم فيه. فكيف يقال بعد ذلك إن حديث الرسول r: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» إنما صدر في زمن لا حكم فيه إلا
الرجال الذين يحكمون استبداداً، وأن الحكم الآن حكم المؤسسات؟ وكأن الشيخ القرضاوي
–رعاه الله– لا يعيش الواقع.
6-
وأما قول الشيخ القرضاوي بأنه يمكن أن يقال إن الممنوع هو الإمامة الكبرى لجميع
المسلمين، وأما إمامة قطر من أقطار المسلمين فلا يعتبر إمامة كبرى، وبالتالي يمكن
للمرأة أن تحكم أي دولة من دول الإسلام المعاصرة، فهذا قول لا وجه له. لأن الإمامة
الكبرى أو الولاية العامة لا يعني بالضرورة انضواء المسلمين جميعاً في كل مكان في
الأرض تحتها، بل كان من تولى شأن جماعة من المسلمين وكان ممكناً كان هو إمامهم
الأعلى. وكل إمام ليس هناك إمام ورئيس فوقه. فهو إمام عام سواء كان ذلك في شرق
الأرض أو غربها. وقد كان علي بن أبي طالب إماماً عاماً في وقته، ومعاوية إماماً
على من يطيعونه ويأتمرون بأمره. ثم كانت خلافة بني أمية يف الأندلس مع بني العباس
في العراق والشام وعدد من الأمصار وتلك في الأندلس. ثم كان للمسلمين أكثر من ولي
أمر عام، ثم آل الحال إلى ما نحن فيه.
7-
وأما قول د. صوفيا إن الحديث لم يروه إلا صحابي واحد وهو أبو بكرة. فهذا لا يقدح
في الحديث ولا يرد بذلك. فمن حيث الصحة فلا شك في عدالة الصحابة، والحديث ثابت
صحيح. ومن حيث المعنى فلا يخالف نصاً في القرآن والسنة، بل نصوص القرآن والسنة
مؤيدة لمعنى هذا الحديث. وكم من حديث لم يروه إلا صحابي واحد ولا يكون هذا قدحاً
في الحديث. فإننا متعبدون بخبر الواحد الثقة. وقد عمل الصحابة ومن بعدهم من
التابعين وأهل السنة جميعاً بخبر الواحد الثقة. وقد أفرد الإمام الشافعي –رحمه
الله– فصلاً مطولاً في كتابه الرسالة، يرد به من قال إن خبر الواحد لا يؤخذ به في
العمل والاعتقاد. وإن كان هناك من يفرق بين العمل والاعتقاد، فإن هذا الحديث في
العمل. فلا يبقى مجال لرد الحديث بأنه من أخبار الآحاد.
ثانياً:
وأما حديث أبي سعيد فهذا لفظه قال أبو سعيد: خرج رسول الله r في أضحى أو في فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: «يا معشر
النساء. تصدقن فإن أريتكن أكثر أهل النار»، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن
اللعن، وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من
إحداكن». قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل
نصف شهادة الرجل؟». قلن: بلى. قال: «فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل
ولم تصم؟». قلن: بلى. قال: «فذلك من نقصان دينها». وهذا الحديث كما نرى إنما جاء
في موطن وعظ وتذكير بالآخرة، وتحذير مما يؤول بالمسلمة إلى النار. وقد ذكر النبي r هنا ثلاثاً من الكبائر التي تنتشر في النساء، وهي:
أولاً:كثرة
اللعن. ومعلوم أن اللعن إذا لم يجد مكانه ارتد إلى قائله، ولعن المسلم كقتله.
والثاني:كفران
العشرة، وجحد النعمة وهي من الكبائر كذلك. وجحد المرأة لعشرة زوجها من الكبائر، وقولها
له: «ما رأيت منك خيراً قط» وقد أحسن إليها دهره وعمره أو زماناً طويلاً، من
الكبائر. والأمر الثالث هو فتنة المرأة اللعوب الداعية إلى الزنا. وقد صور النبي
هذه الفتنة بأن المرأة مع نقصان عقلها عن الرجل في أساس الخلق. وكون ما كلفت به من
أعمال الطاعة أقل من الرجل، وذلك للنقص الخلقي أيضاً عندها، وهو كون الحيض مانعاً
لها من الصلاة والصوم. والرجل ليس فيه هذا النقص في أساس خلقته. أي مع كون أن الله
قد خلق المرأة دون الرجل عقلاً وديناً وتكليفاً، إلا أن المرأة تغلب الرجل، وتسلب
لبه، بل تستطيع امرأة لعوب أن تذهب بعقل رجل حازم وتجعله خاتماً في إصبعها كما
يقولون وربما فتنته في دينه، وأذهبت لبه وفؤاده. قال ابن حجر –رحمه الله– في شرح
هذه اللفظة من الحديث: «ويظهر لي أن ذلك من جملة أسباب كونهن أكثر أهل النار لأنهن
إذا كن سبباً لإذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي، فقد شاركته
في الإثم وزدن عليه» أ.هـ.
والخلاصة
أن النبي r قد كان في موطن الوعظ والإشفاق على
النساء. وقد أخبر النساء بأمر من أمور الآخرة، وهو أنهن أكثر من يدخل النار كما
جاء في الحديث الآخر: «وقفت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء».
ومن
أجل ذلك وعظ النبي r النساء
هنا في موعظة عيد. فدلهن على أفضل ما يكفر الله به الذنوب وهو الصدقة. فقال لهن r: «يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار دخولاً
النار».
ولو
كان شيء أفضل من الصدقة في تكفير الذنب لقاله رسول الله r. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله r: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النا».) فحثُّ النبي r النساء على الصدقة هنا، إنما هو من باب الإشفاق على نساء أمته
والدلالة لهن على الخير، وأن يفعلن ما عساه أن يُكفِّر الله به ما يقع منهن من
الذنوب التي تكثر فيهن، وتشيع بينهن. وقد ذكر النبي ثلاث ذنوب تشيع في النساء وهي:
كثرة اللعن، وجحد النعمة، وسلب عقل الحازم فضلاً عن السفيه الجاهل من الرجال. وعلى
هذا فالمقام كله مقام وعظ وإرشاد وبيان، وإشفاق، وليس فيه ما يدل من قريب أو بعيد
على أن النبي r كان مازحاً.
وقول
الشيخ القرضاوي –عفا الله عنه– إن النبي r كان مازحاً هنا، وأنه كقول القائل يا بنات كذا وكذا، قولُ
ساقطُ بعيدٌ عن الحق. فإن المقام لم يكن مقام مزاح، بل مقام موعظة تقطع
القلوب، وتبكي العيون. ثم إن مزاح النبي r لا يكون إلا حقاً، وصِدقاً. وهو r منزه ومبرأ عن الكذب مازحاً وجاداً. بل تجويز الكذب عليه –ولو
في المزاح– طعن في أصل رسالته، لأنه يمكن أن يحتج بذلك على إسقاط كلامه كله r. ولذلك كان النبي r يمزح ولا
يقول إلا حقاً، كما رُوِيَ عنه r في قوله
لبعض أصحابه مداعباً: «نحملك على ولد الناقة»، فلما حزن منها المخاطب قال له r: «أليس الجمل ولد الناقة؟». وكما قال لبنية صغيرة مداعباً: «كبرت
لا كبر سنك»، وكان النبي يعني السن لا العمر. وقوله لامرأة من الأنصار: «إن في
عيني زوجك بياض»، وكل عين فيها سواد وبياض. فهذا ونحوه مزاحٌ وكله حق، وليس فيه
كذب.
قال
ابن حجر –رحمه الله– في بيان فوائد هذا الحديث، وأنه كان موعظة بليغة:
وفيه
جواز عظة الإمام النساء على حدة وقد تقدم في العلم. وفيه أن جحد النعم حرام، وكذا
استعمال الكلام القبيح كاللعن والشتم. واستدل النووي على أنهما من الكبائر بالتوعد
عليها بالنار. وفيه ذم اللعن وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى، ومحمول على
ما إذا كان في معين. وفيه إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة تغليظاً
على فاعلها لقوله في بعض طرقه: ]بكفرهن[ كما تقدم في الإيمان، وهو كإطلاق نفي الإيمان. وفيه الإغلاظ في
النصح بما يكون سبباً لإزالة الصفة التي تعاب، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين لأن
في التعميم تسهيلاً على السامع. وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب
التي بين المخلوقين، وأن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم.
وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه
على ذلك تحذيراً من الافتتان بهن. ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره
لا على النقص. وليس نقص الدين منحصراً فيما يحصل الإثم به، بل في أعم من ذلك –قاله
النووي–، لأنه أمر نسبي. فالكامل مثلاً ناقص عن الأكمل. ومن ذلك الحائض لا تأثم
بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي. وهل تثاب على هذا الترك لكونها
مكلفة به كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟
قال النووي: «الظاهر أنها لا تثاب. والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية
الدوام عليها مع أهليته. والحائض ليست كذلك». وعندي – في كون هذا الفرق مستلزماً
لكونها لا تثاب– وقفة. وفي الحديث أيضاً مراجعة المتعلم لمعلمه والتابع لمتبوعه
فيما لا يظهر له معناه. وفيه ما كان عليه من الخلق العظيم والصفح الجميل والرفق
والرأفة، زاده الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً. الفتح.
الهجوم
على هذا الحديث طويلٌ ومتواصلٌ من الذين يكذبون بالدين كله، ويأخذون من هذا الحديث
وآيات القرآن التي فرقت بين الرجال والنساء في القوامة والميراث والتكليف، سبباً
للطعن في الدين، وأنه منحاز للرجال، ومعاد للنساء، وأن المرأة مساوية للرجل خلقاً
وعقلاً، وأنها يجب أن تكون مساوية له حقاً وواجباً وتكليفاً. وللأسف أن يوافقهم
بعض المسلمين متأثرين بهذا الهجوم على حقائق الإسلام، ومن أجل ذلك يريدون تطويع
النصوص لتوافق ما يقوله الكفار الجاهلون. والحق أن الله –سبحانه وتعالى– خلق
الزوجين الذكر والأنثى، وجعل النساء شقائق الرجال، وفارق سبحانه في خلق كل من
الذكر والأنثى لتتم عمارة الحياة. ومن أجل ذلك جاءت المساواة بين الرجل والمرأة في
بعض الأحكام، وجاءت المخالفة بين الرجال والنساء في أحكام أخرى مما يقتضيه العدل
والحكمة والإحسان. وهذه هي الأمور التي قامت عليها الشريعة الحكيمة المطهرة. وليس
هذا مجال تفصيل ذلك، وإنما المقصود هنا أن محاولة رد هذا الحديث: «ما رأيت من
ناقصات عقل ودين…» الحديث، بشبهات لا معنى لها، محاولةً ساقطةً، لأن الحديث ثابتٌ
صحيحٌ، وهو مطابق للآية: ]فرجل وامرأتان ممن ترضون من
الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى[. وقد فسر النبي r نقصان
العقل بجعل الله شهادة الرجل بشهادة امرأتين، ونقصان الدين يكون للمرأة، تمكث
الأيام لا تصلي ولا تصوم، والرجل لا يقع له ذلك. ولا شك أن المرأة غير ملومة في
ذلك لأن هذا من فعل الخالق –سبحانه وتعالى– لحكمته العظيمة، ونعمته السابغة،
ورحمته الواسعة، وله الحمد والفضل والمنة.
فكل
خلق الله حسن، وكل شرائعه عدل، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً. فخلق المرأة على ما هي
عليه ليتم أمن البيت وسلامته، واستقراره. وإلا فكيف يتصور حياة بين رجال، ونساء،
يكافئن الرجال في القوى البدنية، والقوى العقلية؟! إن هذا أمر متعذر أو مستحيل.
وأما
اعتراض المتحدثة المشاركة للدكتور القرضاوي في هذه الندوة المشار إليها بقولها:
كيف يا علماء الشريعة تسوون بين الرجل والمرأة في الصوت الانتخابي، وتفارقون بين
الرجل والمرأة في الشهادة؟! ثم تصفيقها بيدها، وتصفيق الحاضرين، وسكوت الجميع على
هذا الإشكال والاعتراض والشبهة.
فنقول:
أولاً: الذي جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين هو الله –سبحانه وتعالى– في كتابة
المحكم وتشريعه القويم. وأما جعل المرأة كالرجل في الصوت الانتخابي، فهذا أمر حادث
والعملية الانتخابية بكليتها من الأمور المستحدثة اقتباساً مما عند الغرب في
نظامهم الديمقراطي وعندهم التسوية بين صوت وصوت سواء كان لعالم أو جاهل، خبير
بالأمر الذي يصوت عليه أو جاهل به كل الجهل، صادق فيما قصده بصوته الانتخابي أو
متبع لهواه، قد باع صوته بعرض من الدنيا... الخ.
ولا
شك أن هذا ليس من العدل والحكمة، وعلى كل حال فإن التصويت لانتخاب مرشح إنما هو من
باب الوكالة. ويجوز في الوكالة التسوية بين المرأة والرجل. فإنه كما يصح للرجل أن
يوكل غيره رجلاً كان أو امرأة، فإن المرأة كذلك يجوز لها أن توكل غيرها رجلاً كان
أو امرأة.
وباب
الشهادة غير باب الوكالة! فلو قال بعض العلماء المسلمين إن صوت المرأة كصوت الرجل
في الانتخابات، فإنما يحمله على أنه من باب الوكالات وباب الوكالة غير باب
الشهادة.
ثم
إن باب الشهادة كذلك باب واسع. فإنه ليس في كل أبواب الشهادة تكون شهادة المرأة
على النصف من شهادة الرجل. فإن شهادة المرأة وحدها مقبولة في إثبات في الرضاع،
وإثبات في الحمل والولادة، وإثبات العيوب الخاصة بالنكاح. وإنما جعلت شهادة الرجل
بشهادة امرأتين في عقود الدين، وما جرى مجراها من المعاملات المالية. وقد تـُرَدُّ
شهادتها مطلقاً في بعض العقود كعقود النكاح والطلاق والرجعة. كما ترَدّ شهادة بعض
الرجال في حالات كالقاذف والأعمى، وبعض الأقارب لأقربائهم... الخ. والشاهد أن باب
الشهادة باب واسع، ولا يجوز أخذ فرعية منه وتعميمها على كل فروع الشهادة. فإن قبول
شهادة المرأة بمفردها في بعض الحالات لا يعني أن تكون شهادتها مثل شهادة الرجل في
كل الحالات.
كما
أن هناك فارقاً بين الرواية والشهادة. فإن المرأة تقبل روايتها للحديث النبوي
وغيره، وهي مثل الرجل في ذلك، ولا يلزم من كون شهادة المرأة على النصف من شهادة
الرجل ألا تقبل إلا رواية امرأتان. وكذلك لا يلزم من تماثل الرجل والمرأة في
الرواية، والإخبار أن يتماثلا في الشهادة والشريعة الحكيمة جاءت بالتفريق بين هذا
وهذا.
لا
مجال للمقارنة بين شريعة الله المطهرة، وأحكامه المبنية على العدل والإحسان
والحكمة، وبين شرائع الشيطان. فأين ما شرعه الله لعباده في عقد الزواج الإسلامي
المطهر من إباحة الزواج خارج دائرة المحرمات من النساء وهن الأم والبنت والأخت
والعمة والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وأم الزوجة، وبنت الزوجة، وما شرع في
الخطبة وأركان عقد النكاح وشرائطه، وآثاره، وكيفيات إنهائه، وما شرعه الشيطان
لاتباعه الكافرين من العقد على المحارم، والتسوية المطلقة بين حقوق الرجل والمرأة،
وتقسيم أموال الزوجين بعد الطلاق والفراق، وتقسيم الأولاد وإباحة العشرة بلا زواج،
وعقد عقود الزواج بين المتعاشرين بعد عشرة طالت أو قصرت، وإباحة عقد الزواج بين
رجلين، وبين امرأتين، وإيجاب النفقة على المرأة وجعلها مساوية للرجل في عقد النكاح
من كل وجه... الخ هذه الظلمات الدامسة والفسق والعهر، والعمي والضلالة.
أين
تشريع الله النظيف الطيب من هذا الذي شرعته الشياطين لأوليائها فجعلت حياتهم رجساً
ضنكاً؟
والعجب
أن هؤلاء الذين يعيشون في هذه الظلمات والنجاسات هم الذين يعترضون على تشريع الله
وحكمته وعدله وإحسانه فيا الله العجب.
وكان
بودي وتلك الندوة التي جلس فيها المتكلمون يحاكمون آيات الله، وأحاديث الرسول r ويدعون فيما يدعون أن الإسلام لا يمنع المرأة من الولاية العامة،
ورئاسة الدول، وأن حديث الرسول r: «لن يفلح
قوم ولوا أمرهم امرأة» مردود، وأنه r كان يمزح
عندما قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين... الحديث». كان بودي أن يبصروا حكمة
الإسلام، وطهارة الشريعة وكمالها، وعصمة الرسول ونزاهته. ويبصروا الواقع القائم،
ويشاهدوا الظلام والنجاسة الذي يريد الغرب جر أمة الإسلام إليها. ولكن قد كان ما
كان والله المستعان.
كتبه
الشيخ الفاضل عبد الرحمان عبد الخالق.
أخرج
البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب t أن رسول
الله r قال: «لا يُـقتل مسلم بكافر»، وبه أخذ
جمهور الأئمة. لكن خالف ذلك بعض الحنفية، فأخذوا ببعض الأحاديث والآثار الضعيفة.
وحاولوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة فحملوا الصحيح على الكافر الحربي
والكافر المستأمن، والضعيف على الذمّي. ولكن قد أنصف الكثير منهم فرجعوا عن ذلك
لما تبين لهم ضعف الأحاديث التي استشهدوا بها، وعموم لفظ الأحاديث الصحيحة. أما من
زعم أن الإمام أبا حنيفة t قد ضعّف
الحديث «لا يُـقتل مسلم بكافر»، فقد كذب عليه و أعظم الفرية.
والعجيب
أن فضيلة القرضاوي –و كل العلماء "العقلانيين"– يرفضون بشدة الحديث
الصحيح «لا يُـقتل مسلم بكافر» مراعاةً للقوانين الغربية! ويحاولون الاستشهاد
بالأحاديث الضعيفة مرة أخرى. مع أن علماء الحديث أثبتوا بما لا يدعو للشك أن كل
الأحاديث التي استند عليها الشيخ القرضاوي ضعيفة جداً ولا تصلح للاحتجاج بها،
فضلاً عن معارضة الأحاديث الصحيحة.
إنظر
كتاب نصب الراية للحافظ الزَّيلَعي الحنفي (4\334)، وتخريج أحاديث الهداية لإبن
حجر العسقلاني (2\262)، والتحقيق بأحاديث الخلاف لإبن الجوزي (2\309)، وسبل السلام
للصنعاني (3\235)، وسنن البيهقي الكبرى (8\30)، والمحلى (10\432). و الحقيقة أن
القرضاوي قد قام بنقل معظم تلك المناكير من سنن البيهقي مع أن الحافظ البيهقي إنما
أوردها ليبيّن ضعفها ويرد على من يقول بها، إذ أوردها في "باب بيان ضعف الخبر
الذي روي في قتل المؤمن بالكافر وما جاء عن الصحابة فيه"!
وما
روي أن رسول الله r و علياً t و عمر r قتلوا
مسلمين بكفار، فهذا كله من الكذب الظاهر الذي لا يثبت قطعاً. والثابت عكس ذلك. قال
الإمام الشافعي: «وفي حديث أبي جُحَيفة عن علي لا يقتل مسلم بكافر، دليل على أن
علياً لا يروي عن النبي r شيئاً
يقول بخلافه». بل قد أجمع الصحابة كلهم على أن المسلم لا يُقتل بدم الكافر الذمّي.
أما
بالنسبة لتأويل القرضاوي للحديث الصحيح "لا يُقتل مسلم بكافر" بأنه
محمولٌ على الكافر الحربي، فسنترك الرد لإمامٍ طالما تعلّق القرضاوي به ضدّ خصومه،
وهو ابن حزم الأندلسي إذ يقول في المُحلَّى (10\355): «وقالوا معناه لا يقتل مؤمن
بكافر حربي، أو إذا قتله خطأ. فكان هذا من أسخف ما أتوا به. وكيف يجوز أن يظن هذا
ذو مسكة عقل، ونحن مندوبون إلى قتل الحربيين، موعودون على قتلهم بأعظم الأجر؟!
أيمكن أن يظن من به طباخ، أن النبي r مع هذا
الحال، وأمره –عليه الصلاة والسلام– بالجهاد، يتكلف أن يخبرنا أننا لا نـُقتل
بالحربيين إذا قتلناهم ما شاء الله كان؟! وكذلك القول في تأويلهم السخيف، أنه
–عليه الصلاة والسلام– أراد أن لا يقتل مؤمن بكافر إذا قتله خطأ. هذا –والله–
يقين الكذب على رسول الله r الموجب للنار! وكيف يمكن أن يَسَعُ هذا في دماغ من به مسكة عقل، أن يكون مذ
بعث الله نبيه –عليه الصلاة والسلام– إلى يوم القيامة، قد أمنا أن يقتل منا أحد
بألف كافر قتلهم خطأ، ثم يتكلف –عليه الصلاة والسلام– إخبارنا بأن لا يقتل المؤمن
بكافر قتله خطأ، ثم لا يبين لنا ذلك إلا بكلام مجمل لا يفهم أحد منه هذا المعنى؟!
إنما يأتي به المتكلفون لنصر الباطل. وأما رسول الله r الذي أُعطيَ جوامع الكـَلم، وأمَرَه ربَّه تعالى بالبيان لنا، فلا
ولا كرامة. لقد نزّهَه الله –عز وجل– عن هذا. وباعده عن أن يظن به ذلك مسلم.
وقالوا: في قوله –عليه الصلاة والسلام– "لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في
عهده"، تقديم وتأخير. إنما أراد أن يقول "لا يُـقتل مؤمن ولا ذو عهد في
عهده بكافر". وقد صح –بلا خلاف– وجوب قتل المعاهد بالذمي. فصح أنه إنما أراد
بالكافر الحربي. قال أبو محمد t: وهذا
كذب آخر على رسول الله r، موجب لصاحبه ولوج النار واللعنة، إذ تحكموا في كلامه –عليه الصلاة والسلام–
بلا دليل. وليس إذا وجد نص قد قام البرهان بأن فيه تقديماً وتأخيراً، وَجَب أن
يُحكـَم في نصٍّ آخر بالتقديم والتأخير بلا دليل. كما أنه إذ وجد نص منسوخ، لم
يحلّ لأحد أن يقول في نص آخر لم يأت دليل بأنه منسوخ: هذا منسوخ. هذه صفة الكذابين
الفسّاق المفترين على الله –عزّ وجلّ– وعلى رسوله r بالكذب».
وقد
أطال الإمام ابن حزم في الرد على حججهم واحدة تلو الأخرى بكلام طويل، فانظره.
وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (12\261). ثم نقل قصةً صحّح إسنادها
عن عبد الواحد بن زياد قال: لقيت زُفَر (وهو من أبرز تلاميذ أبي حنيفة t)، فقلت له: «صرتم حديثاً في الناس وضِحكة!». قال: «وما ذلك؟».
قلت: «تقولون في الأشياء كلها: ادرؤوا الحدود بالشبهات. وجئتم إلى أعظم الحدود،
فقلتم: تقام بالشبهات!». قال: «وما ذلك؟». قلت: «قال رسول الله r: "لا يُقتل مؤمن بكافر"، فقلتم: يُقتل به!». قال:
«فإنّي أُشهدك الساعة أني قد رجعت عنه».
والعجيب
أن الغزالي قد زعم بأن أبا حنيفة «رفض حديث "لا يقتل مسلم في كافر" مع
صحة سنده» [السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث (ص 18).] لأنه يخالف القرآن
بزعمه! وهذا كذبٌ على الإمام أبي حنيفة قطعاً، وحاشاه أن يردّ الأحاديث الصحيحة.
وأما ظاهر القرآن فإن القرآن الكريم ليستنكر أشد الاستنكار أن يساوى بين المسلمين
والمجرمين، قال الله تعالى: ]أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ ما
لكم؟! كيف تحكمون؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون، إن لكم فيه لما تخيرون؟[. وقال عز وجل: ]أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن
نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء محياهم ومماتهم؟! ساء ما يحكمون[. وقال كذلك: ]أفمن كان مؤمناً، كمن كان
فاسقاً؟! لا يستوون[. وقال: ]ولن يجعل الله للكافرين على
المؤمنين سبيلاً[.
وليعلم
القارئ أن أبا حنيفة وأصحابه الأولين لم يردوا حديث علي وغيره بالقرآن. ونرى من
نقل الإمام محمد بن الحسن في كتاب "الحجة على أهل المدينة"[17] أنه لم يحتج بأي آية، ولا يرى ما ذكره
الغزالي من أن أبا حنيفة قد رفض الحديث الصحيح: «ولا يقتل مسلم بكافر»، لأنه خالف
هذا النص ولا غيره من القرآن.
وكل
ما احتج به هو آثار وأحاديث منقطعة ضعيفة، لكن من أصوله أن يعمل بالحديث الضعيف إن
لم يصل إليه ما يخالفه من الصحيح. و هذا مبلغ علمهم، ولا يكلف الله نفسا إلا
وسعها. لما طال الزمان واستمر الخلاف بين أهل المذاهب زج متعصبوا الأحناف بالآيات
القرآنية في هذا الموضوع. وفرحوا بهذا الاكتشاف الغريب الذي لم يخطر ببال الإمام
أبي حنيفة ولا ببال كبار أصحابه وفحولهم، بل ولا ببال الصحابة والتابعين لهم
بإحسان. وقد ردّ عليهم الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه المحلى بأحسن الرد، وأثبت
بالتفصيل أن الآيات القرآنية توافق هذا الحديث وتؤكده ولا تعارضه قطعاً، فانظره[18].
وقد
ساق الشيخ الألباني بعض هذه الأحاديث الضعيفة التي استدلوا بها، وبيّن نكارتها
وضعفها ثم قال: «فهذا يبيّن لك بوضوح أثر الأحاديث الضعيفة، بحيث أنه استبيح بها
دماء المسلمين! وعورضت بها الأحاديث الصحيحة الثابتة عن سيد المرسلين r» [كتاب "نظم الفرائد مما في سلسلتي الألباني من
الفوائد" لعبد اللطيف بن محمد بن أبي ربيع (2\231).].
قال
القرضاوي في كتابه أحكام أهل الذمة –بعد أن قرّر أن المسلم يقتل بالكافر، خلافاً
للحديث–: «إن هذا الرأي هو الذي لا يليق بزماننا غيره. ونحن بترجيح هذا الرأي نبطل
الأعذار، ونعلي راية الشريعة الغراء». ونحن نقول كيف تقول –يا فضيلة الشيخ– أن هذا
الحديث الصحيح لا يليق بزماننا هذا؟ أما علمت –هداك الله– أن الشريعة الإسلامية
صالحة لكل زمان ومكان، وأنه لا يجوز نسخ العمل بحكم شرعي ثابت إلا بدليل ثابت آخر؟
فعلى أيّ دليل تقوم بترجيح رأي في استباحة دماء المسلمين؟ وكيف تعلي راية الشريعة
بأن ترد الحديث المجمع على صحته، وتحتج بالحديث الذي أجمع علماء الحديث على ضعفه؟
ثم تظن أن هذا سيعلي راية الإسلام عند الكفار، فهل ظننت أنهم سيرضون عنّا وقد قال
الله تعالى: ]ولن
ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم[؟ ثم ما هي حقوق الإنسان التي تتحدث عنها –هداك الله–؟ إن الكفار
يرون أن قطع يد السارق مثلاً يعتبر ظلم وانتهاك لحقوق الإنسان، فهل نقول بخلاف ذلك
خشية أن الكفار لا يتقبلون الإسلام؟! ثم إن هناك من الكفار من يدعو إلى إلغاء
عقوبة الإعدام أصلاً، فهل نلغي القصاص حتى «نبطل الأعذار ونعلي راية الشريعة
الغراء» على حد تعبير فضيلتك؟!
أخرج
الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة t أنه قال:
«يقطع الصلاة: المرأةُ والحمارُ والكلب. ويقي ذلك مثلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».
وأخرج قريباً من ذلك أبي ذر t، وفيه
تخصيص الكلب بالكلب الأسود. وأخرج أبو داود والنسائي قريباً من ذلك عن ابن عباس t، وقيّد المرأة بالحائض، أي المرأة البالغة. ونص حديث: «يقطع الصلاة المرأة الحائض
والكلب».
وأخرج
مسلم في صحيحه عن أمنا عائشة t، قالت:
«سُئِلَ رسول الله r عن سترة
المصلي، فقال: مثلُ مؤخرة الرحل». وأخرج مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير قال قالت
عائشة: «ما يقطع الصلاة؟». قال فقلنا: «المرأة والحمار». فقالت: «إن المرأة لدابة سوء! (قصدت
إنكار المعنى الذي أرادوه). لقد رأيتني بين يدي رسول الله r معترضةً كاعتراض الجنازة وهو يصلي».
وأخرج
الشيخان عن مسروق و الأسود عن عائشة t: وذُكِر
عندها: «ما يقطع الصلاة؟».
فقالوا: «يقطعُها الكلب والحمار والمرأة». فقالت عائشة: «قد شبهتمونا بالحميرِ والكلاب! والله لقد رأيتُ رسول الله r يصلي، وإني على السرير بينه وبين القبلةِ مضطجعة، فتبدو لي الحاجَةُ فأكرهُ
أن أجلس فأوذي رسول الله r،
فَأَنْسَلُّ من عند رجليه».
وأخرج
الإمام أحمد في مسنده: ذُكِرَ عند ابن عباس: يقطع الصلاة الكلب والحمار
والمرأة.
قال: «بِئْسَمَا
عدلتم بامرأةٍ
مسلمةٍ كلباً وحماراً. لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول
الله r يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريباً منه مستقبله،
نزلت عنه وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله r في صلاته. فما أعاد
رسول الله r صلاته، ولا نهاني عما صنعت. ولقد كان رسول الله r يصلي
بالناس، فجاءت وَلِيدَةٌ
تَخَلَّلُ
الصفوف حتى عاذت برسول الله r، فما أعاد
رسول الله r صلاتهُ ولا نهاها عما صنعت. ولقد كان رسول الله r يصلي في
مسجدٍ، فخرج جَدْيٌ
من بعض حُجُرَاتِ
النبي r، فذهب
يجتاز بين يديه، فمنعه رسول الله r». قال ابن
عباس: «أفلا تقولون الْجَدْيُ يقطع الصلاة؟!».
فهذه
الأحاديث ظن بعض الجهلة منها أن الصحابة t كانوا يردون الأحاديث الصحيحة. ثم ينسبون هذا المذهب الفاسد لأمنا
عائشة t وسيدنا عبد الله بن عباس t (وقد برّئهما الله من ذلك). أما جوابنا على أوهامهم فنقول:
إن
العبد إذا قام يصلي، تواجهه الرحمة، كما في الحديث. فمن السنة أن يضع أمامه سترة
لتكون حداً فاصلاً. فلو مرّ أمامه شيء لا يقطع الرحمة، ولا يشغله عن صلاته، فينقص
أجره وبركة صلاته. وأحاديث السترة رواها جمعٌ من الصحابة ومنهم أمنا عائشة t كما سبق. والمراد بقطع الصلاة ليس إبطالها، بل تقليل بركتها
وثوابها. ولذلك فسر الإمام الشافعي قطع الصلاة، بنقص الخشوع، لا الخروج من الصلاة. ويؤيد ذلك أن
الصحابي راوي الحديث، سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود فأجيب بأنه شيطان. وقد علم أن
الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم تفسد صلاته كما ثبت في الصحيح.
وأما
تخصيص المرأة والكلب والحمار، فليس معناه أن غيرها لا يقطع بركة الصلاة، وإلا لم
يكن لتأثيم الرجل لأجل مروره بين يدي المصلي معنى. بل لأن هذه الثلاث مظانٌ لوجود
الشيطان وفتنته، فيكون القطع من أجلها أبلغ وأشد وأفظع من غيرها. وقد ثبت في صحيح
مسلم أن رسول الله r قال: « إن المرأة تُقْبِلُ
في
صورة شيطان، وَتُدْبِرُ في صورة شيطان». وورد في الحمار أنه ينهق حين
يرى الشيطان. وأما الكلب فلفظاعته وكونه يأخذ بانتباه المصلي ويقطع خشوعه. فقد ورد
في الحديث أن الكلب الأسود شيطان. وقد عُلِمَ خبث الكلب بأن الملائكة لا تدخل
بيتاً فيه كلب. فهذه الأمور الثلاثة تشغل بال المصلي أكثر من غيرها، فلذلك ذكرها.
لكنها ليست على سبيل الحصر، فقد ثبت في الحديث السابق أن الجدي أيضاً يقطع الصلاة.
والصحابة
لم ينكروا تلك الأحاديث بل أنكروا فهم هؤلاء التابعين لها. وكيف ينكر ابن عباس t الحديث وهو الذي رواه وأفتى به (كما أثبتنا أعلاه من رواية أبي
داود والنسائي)؟! والتابعين الذين سألوا أمنا عائشة t (هم من أهل العراق كما في روايةٍ أخرجها سعيد بن منصور) فقد فهموا
الحديث أن مرور هؤلاء الثلاثة –حصراً– يبطل الصلاة. فأوضحت لهم أن مرور المرأة لا
يبطل الصلاة. وأوضح لهم ابن عباس t أن مرور
الحمار لا يبطل الصلاة. إذ أن المقصود قطع انتباه المصلي. ثم ذكر قصة الجدي ليدل
على عدم حصر ما يقطع انتباه المصلي بهذه الأمور الثلاثة. وتخصيصه للمرأة بالبالغة،
هو لأن المرأة البالغة هي التي تجذب انتباه الرجل وتقطع خشوعه، وليست الطفلة!
وبذلك
يتبين لك بطلان ما زعموه من أن الصحابي يروي حديثاً ويفتي به، ثم يرده. وهذا من
أفسد ما يدعون. وبطلانه واضحٌ لكلّ ذي عقلٍ، والحمد لله رب العالمين.
أشار الشيخ الألباني إلى تدليس قبيح لجأ إليه
القرضاوي في محاولته لتصحيح حديثٍ موضوع. ففي "السلسلة الضعيفة"، المجلد
السابع برقم (3264)، بعد أن تكلم الشيخ الألباني على حديث: «تنظّفوا بكلّ ما
استطعتم، فإنّ الله بنى الإسلام على النظافة، و لن يدخل الجنّة إلا كلّ نظيف» و هو
حديث موضوع! فقال في نهاية بحثه القيّم عند الكلام على رواية أخرى للحديث أوردها
ابن حبان في الضعفاء عن عائشة t:
«تنبيه: حديث عائشة بطرفه الأول عزاه الشيخ القرضاوي في تعليقه على كتابه
"الحلال و الحرام" (ص 79 – الطبعة الثالثة عشرة) لابن حبان! و هذا خطأ
قبيح لا يليق بأهل العلم. لأن من المعروف عندهم أن إطلاق العزو لابن حبان يعني أنه
رواه في "صحيحه". و قد عرفت أنه إنما أخرجه في "ضعفائه". و قد
كنت نبّهت على هذا في تخريجي لهذا الكتاب الذي كنت سميته "غاية المرام في
تخريج أحاديث الحلال و الحرام" رقم (71)».
و هذا إن دل على شيء فهو أن الدكتور القرضاوي لا
يرجع إلى كتب الحديث إلا نادراً جداً. و إلا لم يخف عليه اصطلاحهم، و هذا بيّنٌ لا
يخفى و الحمد لله. لقد كدت أقول لكثرة أخطائه في التخريج: إن هذه التخريجات و
التعليقات ليست بقلم الدكتور نفسه، بل هي بقلم أحد طلابه و من غير النابغين منهم!
وليس المقصود من هذا البحث هو جمع كل أخطاء الشيخ القرضاوي في علم الحديث، فهذا
يحتاج لمجلّدٍ ضخم. ولكن من كان عنده أدنى معرفة بهذا العلم الشريف، فإنه سيعرف أن
الشيخ القرضاوي بعيدٌ كلّ البُعد عنه. وكان الأجدر به أن يُسَلِّم لعلماء الحديث
الكبار، وأن لا يدخل في علمٍ لا يحسنه. وأن يعتمد عليهم في أحكامه على الأحاديث
النبوية الشريفة، لا على الرأي والهوى.
قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ (ص726–826): «يا
شيخ ارفق بنفسك والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشزر، ولا
ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا. حاشا وكلا. وليس في
كبار محدثي زماننا أحدٌ يبلغ رتبة أولئك في المعرفة. فإني أحسبك لفرط هواك
تقول بلسان الحال، إن أعوزك المقال: من أحمد؟ وما ابن المديني؟ وأي شئ أبو زُرعة
وأبو داود؟ فاسكت بحلم أو انطق بعلم. فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال
هؤلاء. ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث! فلا نحن ولا
أنت، وإنما يَعرفُ الفضلَ لأهلِ الفضلِ ذوو الفضل».
أخرج
الترمذي (2640) وأبو داود (4596) وابن ماجه (3991) كل منهم في السنن له، وأحمد في
المستدرك (2\332) وابن أبي عاصم (1\33) وابن نصر (58) كل منهما في السنة له، وأبو
يعلى (5910، 5978، 6117) وابن حبان في الصحيح (6247، 6731) والآجري في الشريعة
(21، 22) والحاكم في المستدرك على شرط مسلم (1\128) وابن بطة في الإبانة (273)
والبيهقي في السنن الكبرى (10\208) والاعتقاد (ص307) وعبد القاهر في الفرق (ص5)
وابن الجوزي في التلبيس (18) من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة (حسن الحديث)، عن
أبي سلمة (ثقة)[19]،
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r:
« تَفَرَّقَتْ
الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً.
وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ. وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي
عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً».
و
صحّحه الترمذي و ابن حبان (14\140) و و الحاكم و الذهبي والمنذري، و الشاطبي في
الاعتصام (2\189) و السيوطي في الجامع الصغير (2\20)، وجوّده الزين العراقي في
تخريج أحاديث الإحياء.
أقوال
العلماء في محمد بن عمرو بن علقمة:
*
الإمام ابن المبارك: قال: لم يكن به بأس.
*
الإمام أحمد بن حنبل: قال ابنه عبد الله: سألته عن سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عمرو
بن علقمة أيهما أحب إليك؟ فقال: ما أقربهما! ثم قال: سهيل –يعني أحب إلي-. وسهيل
هذا أقل ما يقال عنه إنه حسن الحديث.
*
يحيى بن سعيد القطان (متعنّت) [قال الذهبي في الميزان (3\247): «يحيى بن سعيد
القطان متعنِّتٌ جداً في الرجال». وقال الذهبي في سير الأعلام (9\183): «كان يحيى
بن سعيد متعنّتاً في نقد الرجال. فإذا رأيتَهُ قد وثّق شيخاً، فاعتمد عليه. أما
إذا لَيَّن أحَداً، فتأنّ في أمره، حتى ترى قول غيره فيه. فقد لَيَّن مثل: إسرائيل
وهمّام وجماعة احتج بهم الشيخان». وقال الحافظ في مقدمة فتح الباري (ص424): «يحيى
بن سعيد شديد التعنت في الرجال، لا سيما من كان من أقرانه».]: قال ابن المديني:
قلت ليحيى: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: بل أشدد، قال: ليس
هو ممن تريد... وسألت مالكاً عن محمد بن عمرو فقال فيه نحواً مما قلت لك. اهـ.
أقول: قد أخرج له مالك في "الموطأ" وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده.
وهذا
القول من الإمام يحيى يدل على أن محمد بن عمرو ليس هو ممن يذكر في الدرجة العليا
من الحفظ والذين يقتصر عليهم عند التشدد، أما في حال الاعتدال فلا يدلنا على رأيه
فيه إلا كلامه هو. فقد قال: وأما محمد بن عمرو فرجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث.
وسئل
عن سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عمرو بن علقمة فقال: محمد بن عمرو أعلى منه. وقال
ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: محمد بن عمرو أحب إلي من ابن حرملة.
ونجد
هنا أن يحيى بن سعيد القطان قد فضله على ابن إسحاق وابن حرملة وكل منهما حسن
الحديث، فماذا يكون قول الإمام يحيى في من هو أفضل منهما؟ لا بد أنه لا ينزل عن
رتبة الحسن.
*
يحيى بن معين (متشدد): قال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عن محمد بن عمرو،
فقال: ما زال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي
سلمة بالشيء من رأيه ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
وهذا
مفاده أن مأخذ الإمام ابن معين على محمد بن عمرو يتناول جزئية تتعلق ببعض رواياته
لفتاوى أبي سلمة ونسبتها خطأ إلى أبي هريرة رضي الله عنه، وقبل أن يتهمنا أحد
بالتعنت ولي أعناق النصوص، ليجبنا عن قول ابن معين في محمد بن عمرو: ثقة، كما رواه
عنه كل من ابن طهمان وابن محرز وابن أبي مريم وابن أبي خيثمة؟
وقد
قدمه على ابن إسحاق أيضاً كما رواه الكوسج عنه، وابن إسحاق (صاحب السّيَر) حسن
الحديث كما مر.
وقال
عبد الله بن أحمد عنه: سهيل والعلاء وابن عقيل حديثهم ليس بحجة ومحمد بن عمرو
فوقهم.
وجدير
بالانتباه أن حديث افتراق الأمة ليس مما يقال بالرأي بل هو من النبوءات، فلا يرد
عليه أن يكون من رأي أبي سلمة أصلاً فزال ما يخشى من خطئه في أسوأ الأحوال.
*
الإمام علي بن المديني (متشدد): قال: ثقة.
*
أبو حاتم الرازي (متشدد جداً): قال: «صالح الحديث يكتب حديثه، وهو شيخ». وقد قال
الذهبي في السير (13\260): «إذا وَثَّقَ أبو حاتم رجلاً فتمسّك بقوله. فإنه لا
يوثِّق إلا رجلاً صحيح الحديث».
*
النسائي (متعنّت): قال: ليس به بأس. وقال: ثقة.
*
ابن عدي: «له حديث صالح. وقد حدث عنه جماعة من الثقات، كل واحد منهم ينفرد عنه
بنسخة ويغرب بعضهم على بعض. ويروي عنه مالك غير حديث في الموطأ. وأرجو أنه لا بأس
به».
*
ابن حبان: ذكره في الثقات وقال: «كان يخطئ». وقال في مشاهير علماء الأمصار: «من
جلة أهل المدينة ومتقنيهم».
*
ابن شاهين: ثقة.
*
محمد بن يحيى الذهلي: وثقه كما ذكر الحاكم عنه.
*
الحافظ البيهقي: «كان لا يبلغ درجة يحيى – يعني ابن أبي كثير من كبار الأئمة-.
قَبِلَ أهلُ العلم بالحديث حديثه فيما لا يخالف فيه أهل الحفظ».
وهذا
كله يوجب اعتبار حديثه مما لا ينزل عن رتبة الحسن، ويكون إسناد هذا الحديث في أقل
الأحوال حسناً لذاته. أما متن الحديث فهو صحيح متواتر كما نص الإمام السيوطي.
أخرج
أبو داود (4597) والدارمي (2560) كل منهما في السنن له، وأحمد في المسند (4\102)
وابن أبي عاصم (1، 2، 65، 69) والمروزي (50، 51) كل منهما في السنة له، ويعقوب بن
سفيان في المعرفة والتاريخ (2\ص331) والآجري في الشريعة (18) والطبراني في المعجم
الكبير (19\376) –ومن طريقه أبي العلاء العطار في فتيا له (12)– والطبراني في
الكبير أيضاً (19\377) وفي مسند الشاميين (1005، 1006) واللالكائي في شرح أصول
الاعتقاد (1\150) والحاكم في المستدرك (1\ص128) وابن بطة العكبري في الإبانة
(1\266، 268) والبيهقي في دلائل النبوة (6\ص541) و الأصبهاني في الحجة (#107) من
طرق عن صفوان بن عمرو، حدثنا أزهر بن عبد الله (ثقة)، عن أبي عامر عبد الله بن لحي
الهوزني (ثقة)[20]،
عن معاوية بن أبي سفيان t، أن رسول
الله r قام فينا، فقال:
«إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَ افْتَرَقُوا فِي
دِينِهِمْ عَلَى اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ
مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً
–يَعْنِي الْأَهْوَاءَ–، كُلُّهَا فِي النَّارِ
إِلا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ. وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي
أَقْوَامٌ تَجَارَي بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ
بِصَاحِبِهِ، فلا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلا مَفْصِلٌ إِلا دَخَلَهُ». قال معاوية
t: «والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما
جاء به نبيكم r، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به».
و
قد صحّحه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك و الإمام الذهبي في التلخيص، و جوّده
الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (3\230) و حسّنه أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر
العسقلاني في تخريج الكشاف (63)، و صحّحه شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط
(1\118).
هذا
إسناد قوي: صفوان وأبو عامر ثقتان ثبتان. وأزهر بن عبد الله الحمصي (وجزم البخاري
أنه أزهر بن سعيد) هذا، ناصبي ثقة. وقد تكلم فيه ابن الجارود والأزدي وأبو داود
لأجل بدعة النصب كما نص الحافظ ابن حجر في
التهذيب (1\178)، أما في الرواية فهو حجة. ولذلك احتج به أبو داود في سننه. وقد
وثقه كذلك ابن خلفون وابن وضاح والعجلي وابن حبان، وقال الذهبي في الميزان:
تابعيٌّ حسن الحديث.
وقد
علم من طريقة الحفاظ أن المبتدع له بدعته ولنا روايته. وقد نصوا على أن في
الصحيحين جملة من غلاة المبتدعة لم يتوقف أهل الصحيحين عن الاحتجاج بهما. فالناصبي
يكره علياً t بينما الخوارج تكفره. و مع ذلك فالبخاري
احتج في صحيحه بعمران بن حطان و هو من زعماء الخوارج و كان داعي إلى بدعته، وله
قصيدة في مديح قاتل علي t. و كذلك
مذهب جمهور علماء الحديث أن يأخذوا بالحديث عن صاحب البدعة إن كان ثقة، اللهم إلا
الروافض لأنهم كانوا يستحلون الكذب. وإنما ذكر بعض الحفاظ كالجوزجاني أنه يتوقف في
رواية المبتدع الغالي إذا روى ما يؤيد بدعته، وليس هذا على تسليمه مما نحن فيه. إذ
ليس هذا الحديث بأي حال متعلق ببدعة النصب و خاصة أنه روي من وجوه كثيرة عن طريق
رواة كانوا معادين للدولة الأموية و بعضهم شيعة (و ليس رافضة) كما سنرى.
وكتطبيق
عملي نرى الحفاظ تتابعوا على تقوية هذه الطريق وتثبيتها: كالذهبي وابن تيمية
والعراقي وابن حجر. فما الذي تريد أن تُعَلّمه لهؤلاء الحفاظ يا دكتور، دون أن
يكون معك نصير من مثلهم؟!
وقد
روي هذا الحديث عن عدد من الصحابة. فقد روي عن أبي أمامة [أخرجه الطبراني في
المعجم الأوسط (7\175) و المعجم الكبير (8\273) و (8\268)، وابن نصر المروزي في
كتاب السنة (ص22)، والبيهقي في سننه الكبرى (8\188)، وابن أبي شيبة في مصنفه سنن
البيهقي الكبرى (8\188)، من طرق عن طريق أبي غالب (حسن الحديث) عن أبي أمامة.] وعن
أنس بن مالك [أخرجه أبو يعلى في مسنده (7\32) من طريق أبو سحيم مبارك بن سحم.]،
وفيه أن الفرقة الناجية هي «السواد الأعظم». وقد روي بلفظ فيه أن الفرقة
الناجية هي «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وذلك عن عبد الله بن عمرو
بن العاص [أخرجه الترمذي في سننه (2641) وقال حسن غريب، والحاكم في المستدرك
(1\218) استشهاداً، وابن نصر المروزي في السنة (ص23)، من طريق عبد الرحمن بن زياد
بن أنعم الإفريقي، وقد حسّنه العراقي في تخريج الإحياء (3\230).] وأنس بن مالك
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (2\29) وفي الأوسط (8\22) من طريق عبد الله بن
سفيان الخزاعي الوسطي.]. وروي بلفظ فيه أن الفرقة الناجية هي «الجماعة» من
طريق سعد بن أبي وقاص [أخرجه ابن نصر المروزي في السنة (ص22) من طريق موسى بن
عبيدة الربذي.] وعوف بن مالك [أخرجه ابن ماجة (2\1322) وفيه عباد بن يوسف (جيد
الحديث، وثقه ابن ماجة وابن أبي عاصم وعثمان بن صالح وابن حبان، ولم يضعّفه أحد.
وقال عنه الذهبي: صدوق يغرب. قلت: كأن قلة الرواية عنه لأنه من أصحاب الكرابيسي).]
وأنس بن مالك [أخرجه المروزي في السنة (1\21)، وأبو يعلى في مسنده (7\154)، و عبد
الرزاق في مصنفه (10\155)، من طريق يزيد بن أبان الرقاشي. وأخرجه ابن ماجة من طريق
هشام بن عمار، وصححه البوصيري مصباح الزجاجة (4\179). وقال الألباني عنه في هامش
كتاب السنة لابن أبي عاصم (1\32): «حديث صحيح ورجاله ثقات، على ضعف في هشام بن
عمار، لكنه قد توبع كما يأتي. والحديث أخرجه ابن ماجه بإسناد المصنف هذا وصححه
البوصيري. والحديث صحيحٌ قطعاً لأن له ست
طرق أخرى عن أنس وشواهد عن جمع من الصحابة. وقد استقصى المصنِّف –رحمه الله–
الكثير منها –كما يأتي ومضى قبله– من حديث عوف بن مالك، وقد خرجته في الصحيحة من
حديث أبي هريرة من حديث معاوية وسيذكرهما المصنف. وقد ضل بعض الهلكى من متعصبة الحنفية
في ميله إلى تضعيف هذا الحديث مع كثرة الإشارة لمخالفته هوى في نفسه، وقد
رددت عليه المذكور آنفا فليراجعه من شاء». وصححه صاحب الأحاديث المختارة (7\89) مع
قصة طويلة له من غير رواية هشام بن عمار، لكن لم يصرح قتادة بالتحديث من أنس. وقد
رواه أحمد في مسنده (3\120) دون لفظ الجماعة، وفي إسناده زياد بن عبد الله
النميري. وللحديث شواهد أكثر من هذه ترجح ثبات الحديث عن أنس.]. وقد روي عن عوف بن
مالك مرفوعاً بلفظ: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة. أعظمها فرقة قومٌ يقيسون
الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال ويحللون الحرام» [أخرجه البزار في كشف الأستار
(1\98) و الطبراني في الكبير و البيهقي في المدخل (ص188) و ابن بطة في الإبانة
الكبرى (1\227)، و الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4\477) و صححه على شرط
البخاري، و أخرجه أيضاً في (3\631) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وهو كما قال، إلا أن البخاري لم يحتج بنُعَيم بن حماد
بل أخرج له بالشواهد. ونعيم –وإن كان ثقة من أئمة أهل السنة– فإن له أوهاماً، وهذا
الحديث انتقده جماعة لتفرّده به. وقد توبع بمجموعة من الضعفاء كما أشار إلى ذلك
الخطيب البغدادي والمزي وابن عدي وغيرهم، لكنهم لم يصحّحوا حديثه رغم ذلك. وقد
قوّاه ابن حزم في إنكاره للقياس كما سنرى. قال محمد بن علي بن حمزة المروزي: «سألت
يحيى بن معين عن هذا فقال: ليس له أصل. قلت: فنعيم؟ قال: ثقة. قلت: كيف يحدث ثقة
بباطل؟ قال: شبه له». قال الخطيب: «وافقه على روايته سويد (الأنباري) وعبد الله بن
جعفر عن عيسى». وقال: ابن عدي: «رواه الحكم بن المبارك الخواستي –ويقال لا بأس به–
عن عيسى». قال الذهبي في ميزان الإعتدال (7\42): «هؤلاء أربعة لا يجوز في العادة
أن يتفقوا على باطل. فإن كان خطأ فمن عيسى بن يونس». قلت عيسى بن يونس ثقة، وليس
من دليلٍ واضحٍ على خطأه. ومع ذلك فأنا أتوقف عن تصحيح مثل هذا الحديث.]. وعن عبد
الله بن مسعود في حديث طويل [أخرجه الحاكم في مستدركه (2\522)، والطبراني في
الكبير (10\220) وفيه عقيل بن يحيى الجعدي. ولكن أخرجه الطبراني في الكبير
(10\171) من طريق الوليد بن مسلم وكان يدلّس ويسوّي. ومرسل عبد الرحمان عن أبيه
ابن مسعود مقبول.]، وعن عبد الله بن سلّام [مرسل أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن
قتادة، ورجاله ثقات أثبات]، وعن جابر بن عبد الله [أخرجه الواسطي في تاريخ واسط
(ص235)، قال عنه ابن حجر في الكافي الشاف (63): «و في إسناده راو لم يسمّ»، يقصد
جدة عمرو بن قيس.].
وهذه
الطرق –وإن كان في بعضها مقال– إلا أنها تقوّي الحديثين المحفوظين الذين تقدما
آنفاً، وترفعهما بكل هذه الطرق الكثيرة إلى درجة التواتر المعنوي. والحديث ثبت عند
أهل السنة كما أسلفنا، وثبت عند الأباضية في مسند الربيع (ص36)، وثبت عند الرافضة
أيضاً لكن بزيادة موضوعة هي "ما أنا عليه وأهل بيتي"!
أخرج
أبو النعيم من طرق في حلية الأولياء (5\8) والدَّارَقطني في عِلَلِه (4\188) عن
محمد بن سوقة (ثقة)[21]
عن أبي الطفيل (صحابي)[22]
t عن علي بن أبي طالب t موقوفاًً: «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة
تنتحل حبنا وتفارق أمرنا».
وقال
ابن نصر المروزي في كتابه السنة (1\23): حدثنا يونس بن عبد الأعلى[23] أنبأ ابن وهب[24]
أخبرني أبو صخر[25]
عن أبي معاوية البجلي[26]
عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري[27]
قال: سمعت علي بن أبي طالب، وقد دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى. فقال: «إني سائلكم
عن أمرٍ، وأنا أعلم به منكما، فلا تكتماني. يا رأس الجالوت، أنشدتك الله –الذي
أنزل التوراة على موسى، وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقاً، وأخرج
لكم من الحجر اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط من بني إسرائيل عين– إلا ما أخبرتني على
كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة. فقال له –على ثلاث
مرار–: «كذبت. والله الذي لا إله إلا هو لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في
النار إلا فرقة». ثم دعا الأسقف فقال: «أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى،
وجعل على رحله البركة، وأراكم العبرة، فأبرأ الأكمه، وأحيا الموتى، وصنع لكم من
الطين طيوراً، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم». فقال: «دون هذا أصدقك يا
أمير المؤمنين». فقال: «على كم افترقت النصارى بعد عيسى من فرقة»؟ فقال: لا والله
ولا فرقة. فقال –ثلاث مرار–: «كذبت. والله الذي لا إله إلا هو لقد افترقت على
اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة. فأما أنت يا زفر فإن الله يقول ]ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق
وبه يعدلون[ فهي التي تنجو. وأما أنت يا نصراني فإن
الله يقول ]منهم
أمةٌ مقتصدةٌ وكثير منهم ساء ما يعملون[ فهي التي
تنجو. وأما نحن فيقول ]وممن خلقنا أمةٌ يهدون بالحق وبه
يعدلون[ وهي التي تنجو من هذه الأمة».
قلت
هذا إسنادٌ رجاله ثقات من رجال مسلم. ويشهد لذلك ما أخرجه ابن بطة في الإبانة عن
عبد الله بن قيس (هو أبو موسى الأشعري t) قال:
اجتمع عند علي t جاثليتو
[الجاثَليقُ: هو رَئيسٌ للنَّصارَى في بِلادِ الإسْلامِ] النصارى و رأس الجالوت
كبير علماء اليهود. فقال الرأس: «تجادلون على كم افترقت اليهود»؟ قال: «على إحدى و
سبعين فرقة». فقال علي t: «لتفترقن
هذه الأمة على مثل ذلك، و أضلها فرقة و شرها: الداعية إلينا (أهل البيت)! آية ذلك
أنهم يشتمون أبا بكر و عمر رضي الله عنهما» [رواه ابن بطة في "الإبانة
الكبرى": باب ذكر افتراق الأمم في دينهم، و على كم تفترق الأمة (1\1229 #254)
قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن العباس الورّاق، قال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح
الزعفراني، قال حدثنا شبابة، قال حدثنا سوادة بن سلمة، أن عبد الله بن قيس قال
(فذكر الحديث). و أبو علي ابن العباس الوراق روى عنه الدارقطني و وثقه، و قال
الذهبي عنه: المحدث الإمام الحجة، و ذكره يوسف بن عمر القواس في جملة شيوخه
الثقات. انظر تاريخ بغداد (6\300)، و المنتظم لابن الجوزي (6\278)، و سير أعلام
النبلاء (15\74). و الحسن بن محمد بن صالح الزعفراني، ثقة كما في التقريب (1\163)
والكاشف (1\329). وشبابة بن سوار (ت204): ثقة ثبت احتج به الشيخان، كما نص الذهبي
في "الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب" (1\107). أي رجاله ثقات،
لكني لم أعثر على ترجمة سوادة بن سلمة. وأظن بوجود تصحيف في اسمه، والله أعلم. على
أية حال يصلح هذا كشاهد قويٍَ للحديثين قبله.].
ويشهد
له كذلك ما أخرجه ابن نصر المروزي في "السنة" (ص24): حدثنا إسحاق بن
إبراهيم (هو الإمام الشهير ابن راهويه) أنبأ عطاء بن مسلم [وصفه ابن حجر بأنه
«صدوق يخطئ كثيراً». ولكنه قد توبع عند ابن وضَّاح في "البدع والنهي
عنها" (ص85).]، قال سمعت العلاء بن المسيب (ثقة) يحدث عن شريك البرجمي (مستور
ذكره ابن حبان في الثقات)، قال حدثني زاذان أبو عمر (ثقة)، قال: قال علي: «يا أبو
عمر. أتدري على كم افترقت اليهود؟».قلت: «الله ورسوله أعلم». فقال: «افترقت على
إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية. والنصارى على اثنتين
وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية. يا أبا عمر. أتدري على كم
تفترق هذه الأمة؟». قلت: «الله ورسوله أعلم». قال: «تفترق على ثلاث وسبعين فرقة،
كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية». ثم قال علي: «أتدري كم تفترق فيَّ؟».
قلت: «وإنه يفترق فيك يا أمير المؤمنين؟!». قال: «نعم. اثنتا عشرة فرقة، كلها في
الهاوية إلا واحدة فيّ الناجية وهي تلك الواحدة –يعني الفرقة التي هي من الثلاث
والسبعين– وأنت منهم يا أبا عمر».
واعلم
أن هذه الأحاديث –وإن كانت موقوفة على علي بن أبي طالب t– فإن حكمها بحكم الحديث المرفوع إلى رسول الله r. لأن هذا لا يعلمه أحد إلا بإخبارٍ من الوحي.
نلاحظ
من الجمع بين تلك الأحاديث النبوية الشريفة أن الفرقة الناجية: هي الجماعة، وهي
السواد الأعظم من المسلمين، وهي الباقية على ما كان عليه رسول الله r وأصحابه رضوان الله عليهم. وأما باقي الفرق فكلها فرقٌ صغيرةٌ لا
تبلغ الواحدة منها حجم الفرقة الناجية. وأعظم هذه الفرق الضالة عدداً وحجماً، قومٌ
يقيسون الأمور برأيهم (أي وفق هواهم الشخصي)، فيحرمون الحلال ويحللون الحرام.
وسبحان الله، ما أكثر ما نشاهد هؤلاء! أما أخبث هذه الفرق وأضلها، فهي الفرقة التي
تدعي حب أهل البيت، لكنها تعصيهم وتفارق أمرهم.
وهذا
التفرق هو في أصول العقيدة، وليس في المسائل الفرعية الفقهية. فإن الخلاف في مسائل
الاعتقاد يسمى فرقة، بعكس الخلاف في مسائل الفقه الذي يسمى مذهباً. ومن هنا نعلم
مقدار تخبط الجهلة الذين يقولون طالما أن المذاهب أربعة (حنفي، شافعي، مالكي،
حنبلي)، فلم لا تكون خمسة بإضافة المذهب الإمامي؟ فهذا سؤال فاسد. لأنه لا يوجد
شيء اسمه مذهب شيعي، إنما هي فرقة الشيعة. وهي في الواقع مقسمة لفرق كثيرة: منها
من بقي في حظيرة الإسلام رغم انحرافهم كالزيدية، ومنهم من خرج من الإسلام كلية
كالإمامية وبخاصة أتباع الخميني. والخلاف بيننا وبينهم هو في أصول العقيدة لا في
الأمور الفقهية!
قال الإمام القرطبي في تفسيره (12\130): «هذا بين
أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث، إنما هو في أصول الدين وقواعده. لأنه قد
أطلق عليها مِللاً، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجبٌ لدخول النار. ومثل
هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديل الملل ولا عذاب النار». وقال الإمام
أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي: «قد علم أصحاب المقالات أنه r لم يُرِد بالفرق المذمومة: المختلفين في فروع الفقه من أبواب
الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم: من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير
الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه
الأبواب. لأن المختلفين فيها قد كفَّر بعضهم بعضاً، بخلاف النوع الأول، فإنهم
اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه. فيرجع تأويل الحديث في افتراق
الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف».
والحديث
يعتبر من أهم الأصول التي تدعو لتوحيد الأمة تحت عقيدة واحدة، وهو مثالٌ واضحٌ
للأمر بالالتزام بالجماعة. وقد فهم بعض الحمقى الحديث بعكس ذلك. فظنوا أن الحديث
يسبب تفريق الأمة. فقاموا –لا زادهم الله خيراً– بتحريف زيادة "كلها في النار
إلا واحدة"، إلى "كلها في الجنة إلا واحدة، وهي الزنادقة" أو إلى
"تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، إني أعلم أهداها الجماعة". وهذه
كلها زيادات موضوعة باتفاق علماء الحديث. ومعناها باطلٌ لا ريب في ذلك، فإن الحقّ
واحدٌ والصراط المستقيم واحد، لا طريق سواه.
وقد
شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث في مجموع الفتاوى (3\345-358)، فكان مما
قاله: «ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة و هم الجمهور الأكبر
والسواد الأعظم. و أما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق و البدع و
الأهواء. و لا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريباً من مبلغ الفرقة الناجية، فضلاً
عن أن تكون بقدرها. بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة. وشعار هذه الفرق مفارقة
الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة
والجماعة».
أقول:
من الملاحظ هنا أن جميع الفرق الضالة -تقريباً- تشترك في أمر واحد و هو زعمهم أن
أغلب المسلمين على ضلال. بل يريد بعضهم أن يقنعنا بأن فرقتهم –التي لا تتجاوز نسبة
صغيرة جداً من المسلمين– هي على الصواب و باقي المسلمين على ضلال! وكل الفرق تدعي
اتباع القرآن، لكن بعضها يحاول إنكار السنة جزئياً. أما من أنكرها كليةً فقد كفر،
ولا يعتبر من هذه الفرق أصلاً. إذ أن هذه الفرق هي من المسلمين الضالين العصاة،
وليست من الكفار. ولذلك لا يدخل الجهمية وغلاة الرافضة (الشيعة الإمامية) في هذه
الفرق. ويبقى مخالفة إجماع السلف هو الذي يثبت به التفرق من الجماعة.
ثم
قال شيخ الإسلام: «وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل
الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله. وهم أعلم الناس
بأقواله وأحواله، و أعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها. وأئمتهم فقهاء
فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباعاً لها تصديقاً وعملاً، وحباً وموالاة لمن والاها
ومعاداةً لمن عاداها. الذين يروون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب
والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم و جمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة
فيما جاء به الرسول. بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب و الحكمة (أي السنة) هو
الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه. وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر
والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، يردونه إلى الله
ورسوله. ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف. فما كان
من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة
أبطلوه. و لا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهلٌ. واتباع
هوى النفس بغير هدى من الله، ظلمٌ. وجماع الشر: الجهل والظلم. قال الله تعالى ]وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً
جهولا[ إلى آخر السورة».
ثم
قال مستدركاً: «ومما ينبغي أيضاً أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول
الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة. ومنهم
(الكلام هنا عن الأشاعرة) من يكون إنما خالف السنة في أمورٍ دقيقة، ومن يكون قد رد
على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من
الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض
الباطل. فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعةٍ أخف منها. ورد بالباطل باطلاً بباطلٍ أخف
منه. وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة (أهل الكلام من أهل
السنة و الجماعة هم الأشاعرة الذين ردوا على المعتزلة). ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا
ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون كان من نوع
الخطأ. والله –سبحانه وتعالى– يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك. ولهذا وقع في مثل
هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها: لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في
الكتاب والسنة. بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين،
وكفّر وفسّق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه
دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات».
قلت:
فخلاصة الأمر أن الأشاعرة نوعان: من رد على الرافضة و المعتزلة لكنه لم يضلل متبعي
مذهب السلف و هؤلاء من أهل السنة و الجماعة و إن كانوا على خطأ. وأمثال هؤلاء الكثير
من فقهاء أهل السنة كالعز بن عبد السلام. و نوع ممن ضلل متبعي السلف و فرق جماعة
المسلمين، فهؤلاء أهل بدعة و لا شك. ومثال على ذلك الكوثري الهالك
[مثال ذلك قوله في كتابه " تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم"، في
وصف الإمام ابن القيم الجوزية: «ضالٌّ مضل زائغ مبتدع وقح كذاب حشوي بليد غبي جاهل
مهاتر خارجي تيس حمار ملعون، من إخوان اليهود والنصارى، منحل من الدين والعقل. بلغ
في الكفر مبلغاً لا يجوز السكوت عليه... إلخ».].
لقد
قام الشيخ القرضاوي –هداه الله– في كتابه "الصحوة الإسلامية" بمحاولة
للتشكيك بهذا الحديث العظيم القدر الذي يدعو المسلمين للوحدة في جماعة واحدة. وهو
الحديث الذي تلقته الأمة على مر العصور بالقبول، واستشهد به العلماء في كتب
العقائد والأحاديث. وبدأ بالطعن بحديث أبي هريرة بطعنه براويه محمد بن عمرو بن
علقمة، فقال عنه: «ومن قرأ ترجمته في (تهذيب الكمال) للمزي وفي (تهذيب التهذيب)
لابن حجر: عَلِمَ أن الرجل مُتَكلّمٌ فيه من قِبَلِ حِفظه، وأن أحدًا لم يوثقه
بإطلاق، وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه؛ ولهذا لم يزد الحافظ في
التقريب على أن قال: صدوق له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي، ما لم
ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟؟».
قلت
بل وثقه بإطلاق علي بن المديني (متشدد جداً) و النسائي (متشدد جداً) وابن معين
(متشدد) و ابن شاهين و محمد بن يحيى الذهلي. وذلك تجده في ترجمته بتهذيب التهذيب
لابن حجر (1\179)، بالخط العربي الواضح. فما بال الشيخ القرضاوي لم ير ذلك، أم
أنها العجلة وعدم التأني؟ وبعض هذا التوثيق في ترجمته في تهذيب الكمال (26\212)
كذلك. وأخشى أن نظارات الشيخ صارت بحاجة إلى تغيير! أما أنهم رجحوه على غيره، فقد
وضّحنا رجحوه على رجالٍ أقل ما يقال عنهم أن حديثهم حسن، فماذا يكون حاله إذاً؟ لا
بد أنه لا ينزل عن رتبة الحسن، إن لم يكن في مرتبة الصحيح. وهذا يُفترض أن يكون من
البداهة!
أما
عن وصف ابن حجر له بأنه صدوقٌ له أوهام، فلا يفيد تضعيفه مطلقاً كما ظن الشيخ
القرضاوي. فهذا اللفظ أولاً مأخوذٌ من كتاب "تقريب التقريب" الذي يعطي
فكرة مختصرة جداً عن الراوي، ولا يمكن أبداً الاقتصار عليه. بل لا بد من العودة
لكتب التراجم الطويلة مثل تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب، عدا الكتب المتخصصة في
مواضيع معينة مثل: "طبقات المدلسين"، و " كتاب المختلطين"، و
"الاغتباط لمعرفة من رمي بالاختلاط"، و"جامع التحصيل في أحكام
المراسيل"، و"ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق"، وكتب العلل
والسؤالات. فقراءة عناوين ليس بكافٍ أبداً.
وعلماء
الحديث يعلمون أن ابن حجر له اصطلاح خاص بكلمة صدوق في كتابه تهذيب التهذيب [وإن
كانت في الأصل لفظ تجريح لقوة الحفظ]. فهو يطلق كلمة صدوق على الثقة، فتراه يقول:
«الطبقة الثالثة: ومنهم الصدوق، الثبت الذي يهم أحياناً - وقد قبله الجهابذة
النقاد، وهذا يحتج بحديثه». وكم من ثقةٍ يُصحّح ابن حجر حديثه، وقد وصفه في
التهذيب بأنه صدوق. أما أنّ له أوهاماً، فهذا عنوان مختصر (كما يسميه ابن حجر)
يدلك على وجوب قراءة تراجمه جيداً وأن تعرف أين هذه الأوهام، كما تجده في التفصيل
في "تهذيب التهذيب" لإبن حجر، و "ميزان الاعتدال" للذهبي، و
"الكامل" لإبن عدي وغيره، فنتجنب عندها هذه الأوهام. وقد سبق وأوضحنا
هذه الأوهام وأنها لا تؤثر في هذا الحديث. وإذا كان رأي الحافظ ابن حجر مقبول عند
الشيخ القرضاوي، فلماذا لم يأخذ بقبوله للحديث مع زيادة «كلها في النار إلا
واحدة»؟ أم أنه لا يأخذ إلا ما وافق هواه؟
ثم
قال الشيخ القرضاوي عن زيادة "كلها في النار إلا واحدة": «وقد روي
الحديث بهذه الزيادة من طريق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمرو، ومعاوية، وعوف بن
مالك، وأنس، وكلها ضعيفة الإسناد، وإنما قووها بانضمام بعضها إلى بعض». أقول هذه
دعوى باطلة و على المدعي البينة. فليس من أسهل أن تقول عن رواية –لا توافق مزاجك
الشخصي– أنها ضعيفة. لكن هذا القول ليس له وزن حتى تثبت ذلك. بل ثبت كثير من تلك
الروايات أنها صحيحة بنفسها، كما سبق وأوضحنا بعون الله. وباعتبار أن الشيخ
القرضاوي لم يجد مطعناً حقيقياً في حديث معاوية، فإنه استعان ليطعن في الحديث برأي
ابن حزم الظاهري وابن الوزير الزيدي الشيعي!
هناك
الكثير من علماء الشيعة الزيدية في اليمن ممن نبذوا التقليد واجتهدوا فتحولوا إلى
المذهب السني. ومن هؤلاء: محمد بن إبراهيم الوزير (ت 840هـ)، و صالح بن مهدي
المقبلي صاحب كتاب "العلم الشامخ"، و محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت
852هـ) صاحب كتاب "سبل السلام"، و محمد ابن علي الشوكاني (ت 1250هـ)
صاحب كتاب "نيل الأوطار" [انظر رسالته أدب الطلب ومنتهى الأرب، والتي
ينصح بها بتعلم الأصول من المعتزلة والزيدية. فهذا دليلٌ على أن معتقده خليطٌ بين
السنة والزيدية.]، و مقبل الوادعي (ت 1422هـ)
صاحب كتاب "إسكات... يوسف القرضاوي". لكن أكثر هؤلاء لم يتحول للمذهب
السني بشكل كامل، بل بقيت عنده آثار من فلسفة المعتزلة وتأثيرات من تشيع الزيدية.
وقد أشار الشيخ مقبل الوادعي إلى أن صالح بن مهدي المقبلي [قال العلامة المعلمي في
"الأنوار الكاشفة" (ص279): «والمقبلي نشأ في بيئة اعتزالية المعتقد،
هادوية الفقه، شيعية تشيعاً مختلفاً، يغلظ في أناس ويخف في آخرين. فحاول التحرر
فنجح تقريباً في الفقه، وقارب التوسط في التشيع. أما الاعتزال فلم يكد يتخلص إلا
من تكفير أهل السنة مطلقاً».] قد بقي في مذهب وسط بين السنة من جهة، وبين المعتزلة
والشيعة من جهة أخرى. علماً بأن هذا الأخير قد شنّع كثيراً على ابن الوزير وأشار
إلى أنه باقٍ على اعتزاله. فماذا يكون ابن الوزير إن شنع عليه من كان متأثراً
بالمعتزلة؟
ومن
المعروف أن الزيدية قد أخذوا عقيدتهم من المعتزلة. وفي كتاب "العلم الشامخ في
تفضيل الحق على الآباء و المشايخ" للمقبلي اليمني: «قال السيد الهادي بن
إبراهيم الوزير [هو الأخ الأكبر لمحمد بن الوزير، توفي سنة 822هـ. وذكرنا هذا
لنبيّن البيئة التي نشأ بها محمد بن الوزير.] –و هو من أشد الناس شكيمة في نصرة
مذهب الزيدية و التعصب لهم، و الرد على مخالفيهم–، فقال فيهم و في المعتزلة:
"و إنهما فرقة واحدة في التحقيق إذا لم يختلفوا فيما يوجب الإكفار و
التفسيق". ذكر هذا في خطبة منظومته التي سماها "رياض الأبصار" عدد
فيها أئمة الزيدية و علماءها و علماء المعتزلة متوسلاً بهم. فذكر الأئمة الدعاة من
الزيدية، ثم علماء المعتزلة، ثم علماء الزيدية من أهل البيت، ثم من شيعهم. و اعتذر
عن تقديم المعتزلة على الزيدية بما لفظه: "و أما المعتزلة فقد ذكرت بعض
أكابرهم، و كراسي منابرهم (قلت: يقال للعلماء، الكراسي) إذ هم الأعداد الكثيرة، و
الطبقات الشهيرة. و رأيت تقديمهم على الزيدية لأنهم سادتها و علمائها. فألحقت
سمطهم بسمط الأئمة و ذلك لتقدمهم في الرتبات، و لأنهم مشايخ سادتنا و علمائنا
القادات"».
فإذا
علمت هذا، لما استغربت دفاع ابن الوزير الشديد عن المعتزلة والشيعة، وإنكاره لحديث
تفرق الأمم الصحيح الذي تلقته الأمة بالقبول، لأنه يطعن بقوة بالمعتزلة والشيعة.
ولا يختلف أحد بأن ابن الوزير ليس من علماء الحديث باعترافه نفسه [قال في مقدمة
كتابه "العواصم والقواصم": «وقد قصدت وجه الله تعالى في الذب عن السنة
النبوية. وليس يضرني وقوف أهل المعرفة على مالي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي
في هذا الميدان قصير، لاعترافي أني لست من نقاد هذا الشأن، وإقراري أني
لست من فرسان هذا الميدان. لكني لم أجد من الأصحاب من يتصدى لجواب هذه
الرسالة، لما يجر إليه ذلك من القالة. فتصيدت لذلك في غير إحسان ولا إعجاب، ومن
عدم الماء يتمم التراب... إلخ».]، ولذلك لم يطعن بالحديث من جهة سنده بل طعن فيه
برأيه ومزاجه الشخصي. ولهذا نقول أن شهادة ابن الوزير مردودة غير مقبولة: لأنه
شيعي متعزلي، ولأنه ليس من علماء الحديث، ولأنه ليس له سلف من المتقدمين. وقد حاول
الطعن حديث معاوية t الذي فيه
«وواحدة في الجنة وهي الجماعة»، لأنها تدل على ضلال قومه. فزعم أن الحديث لم يصح
لأن في إسناده ناصبي، يقصد أزهر بن سعيد. وقد سبق وتكلمنا عن هذا في تخريج الحديث،
وقلنا أن الرجل كان ثقة في الحديث. فكيف نرد حديثه؟ و أئمة الحديث متفقين على جواز
النقل عن صاحب البدعة إلا إن كانت مكفرة (كحال الرافضة). قال العراقي في "شرح
مقدمة ابن الصلاح": «فاحتج البخاري بعمران بن حِطّان، و هو من الدعاة –أي
دعاة الخوارج-. و احتجّا (أي البخاري ومسلم) بعد الحميد بن عبد الرحمان الحماني، و
كان داعية إلى الإرجاء». وقد سبق وتكلمنا عن هذا بالتفصيل، فراجعه إن شئت.
ثم
إن ابن الوزير (لما زاد ميله للسنة) قد صحح حديث معاوية هذا في كتابه "الروض
الباسم في الذَّبِّ عن سُنة أبي القاسم" عندما تكلم في فصل خاص عن الصحابة
الذين طعن فيهم الشيعة و منهم معاوية t. فسرد ما
له من أحاديث و منها هذا الحديث! و بيّن الشيخ صالح المقبلي اليمني معنى الحديث، و
تكلم عليه بكلام مطوّل رد فيه استشكال ابن الوزير معنى الحديث و وجهه التوجيه الصحيح.
و قد نقل كلامه الإمام الألباني -رحمه الله- كاملاً في السلسلة عند الكلام عن
الحديث المذكور [راجع السلسلة الصحيحة برقم 204، المجلد الأول، (ص 409-414).].
هذا
كله مع العلم أن مطاعن ابن حزم وابن الوزير كانت في زيادة «كلها في النار إلا
واحدة»، وليس في أصل الحديث. فقد روى ابن حزم حديث: «ستفترق أمتي على بضعٍ وسبعين
فرقة، أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون
الحرام». و احتج به في المحلى (1\62) –وهو لا يحتج إلا بصحيح كما اشترط ذلك في
مقدمة المحلى– وكذلك في الإحكام (8\506) ثم قال: «حريز بن عثمان ثقة، وقد رُوينا
عنه أنه تبرأ مما أنسب إليه من الانحراف عن علي t. ونُعَيم بن حماد قد روى عنه البخاري في الصحيح».
وابن
حزم الأندلسي لم تصله الكثير من السنن و كتب الحديث (مثل سنن الترمذي وسنن ابن
ماجة)، ففاته الكثير من الطرق. و بالتالي فتضعيفه لتلك الزيادة هي لإحدى تلك
الروايات، و لم يطلع قطعاً على كل تلك الروايات المتواترة. ثم إن ابن حزم الظاهري،
على الرغم من ذكاءه و علمه، فقد كان له منهجاً شاذاً في الفقه و العقيدة و الحديث
خالف به الجمهور. و لشدة تشدده في الحديث فقد ضعّفَ أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم
ونسب إحداها للوضع. لكنه كذلك كان يصحّح أحاديث موضوعة اتفق العلماء المتقدمون على
ضعفها. و الرجل له أوهام كثيرة لأنه كان يعتمد في بحوثه على حافظته الواسعة. قال
مؤرّخ الأندلس أبو مروان بن حَيّان: «كان ابن حزم حاملَ فنون... وكان لا يخلو في
فنونه من غلطٍ، لجرأته في الصِّيال على كل فن. ولم يكن سالماً من اضطرابٍ في
رأيه». وقال ابن حجر عنه في لسان الميزان (4\198): «كان يَهجُمُ على القول في
التعديل والتجريح وتبيين أسماء الراوة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة». ولأبي إسحاق
الحويني الأثري كتاب بعنوان "الجزم في شذوذ ابن حزم" أعطى أمثلةً على
شذوذاته.
وابن
حزم ليس من علماء الحديث، ولا يقارن بالجهابذة الحفاظ أمثال الحافظ العراقي
والحافظ الإمام الذهبي والحافظ ابن حجر ومن هم في طبقتهم. لكن ابن حزم –على أية
حال– لم يقل عن الحديث أنه موضوع، كما زعم الشيخ القرضاوي. بل إنه توقف في تصحيحه
فقال عن الزيادة أنها «لا تصح». وقولُه: "لا تصح"، لا ينفي كونَها حسنة.
بينما نسب له الشوكاني عبارة: «إنها موضوعة»!!! وللأسف فإن الشيخ القرضاوي
–كعادته– نقل كلام هذا الزَّيدي، بلا تدقيقٍ ولا مُراجعة. أما قول الشوكاني عن
الزيادة: «فقد ضعفها جماعة من المحدثين»، فمن هم هؤلاء الجماعة؟ فإنه لم يُعلم أن أحداً من
المحدثين قد ضعّفها من قبل! إلا إذا قصد قومه الشيعة، وهم طائفةٌ لا يُعتدُّ بها.
أما
تضعيف الشيخ القرضاوي للحديث لمجرد أنه بظن القرضاوي سيسبب تمزق الأمة، فهذا فهم
عجيب غريب. فالحديث يحذر الأمة من التفرق و يدعوهم للالتفاف حول الجماعة و حول
السواد الأعظم، و أن يكونوا على ما كان عليه رسول r و أصحابه. فأين المشكلة في هذا يا دكتور؟! هل المشكلة في قول رسول
الله –عليه الصلاة و السلام– أم في فهمكم لقوله؟!
و كم من عائبٍ قولاً
صحيحاً
و آفته من الفهم السقيم
و
لسنا أكثر غيرة على هذه الأمة من رسول الله عليه أتم الصلاة و السلام، و هو الذي
قال الله تعالى عنه في القرآن: ]لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز
عليه ما عنتم بالمؤمنين رؤوف رحيم[.
فهل
عندما ادعى أبو حنيفة و الشافعي و مالك و أحمد بن حنبل و البخاري و غيرهم من الأئمة أنهم من أنصار
الفرقة الناجية و على منهاجها و ردوا على المخالفين من أهل البدع و ضللوهم و
نسبوهم للفرق الهالكة، هل عندما ادعى هؤلاء الأعلام ذلك، مزّقوا الأمّة و طعنوا فيها و
ضعّفوا من شوكتها و وقووا عدوّها عليها و أغروه بها؟! كلا و الله. بل أن الأمة
حفظها الله بحفظ أولئك لدينه و لسنة
نبيه r و على منهاج القرون المفضلة. فهم جمعوا
الأمة و
وحدوها و رفعوا من
شأنها و قووها و جعلوها الأعلى قدرا من بين الأمم و حفظوا أصول دينها و جعلوا أعداءها يهابونها.
و قد عاشت الأمة أيام عزها و مجدها في تلك العصور. فرحمهم الله رحمة واسعة و أسكنهم
فسيح جنانه بما خدموا الأمة و بذلوا لأجلها
الغالي و النفيس.
وباعتبار
أن الشيخ القرضاوي قد اعتمد على نقول من إمامٍ زيدي تسنن، فنحن نرد عليه من رجل
كان من أئمة الزيدية قبل أن ينتقل لمذهب السنة والجماعة، وهو الإمام محمد بن إسماعيل
الأمير الصَّنْعاني –رحمه الله– [وهو إجمالاً أفضل وأقرب لأهل السنة من ابن
الوزير]. يقول الإمام الصنعاني في كتابه "افتراق الأمة إلى نيِّفٍ وسبعين
فِرقة" (ص66): «هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد، لا يكون
مجموعها أكثر من الفرقة الناجية. فلا يتم أكثرية الهلاك، فلا يَرِدُ الإشكال. و إن
قيل يمنع عن هذا أنه خلاف الظاهر من ذكر كثرة عدد فرق الهلاك، فإن الظاهر انهم
أكثر عدداً. قلت: ليس ذكر العدد في الحديث لبيان كثرة الهالكين، وإنما هو لبيان
اتساع طرق الظلال وشعبها ووحدة طريق الحق نظير ذلك. ذلك ما ذكره أئمة التفسير في
قوله ]ولا
تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله[ أنه جمع
السبل المنهي عن اتباعها، لبيان شعب طرق الضلال وكثرتها وسعتها وأفرد سبيل الهدى
والحق لوحدته وعدم تعدده.
وبالجملة
فكلٌّ يَدعي وصلاً لليلى، وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا. وكان الأحسن بالناظر في الحديث،
أن يكتفي بالتفسير النبوي لتلك الفرقة، فقد كفاه r –معلِّم الشرائع الهادي إلى كل خير r– المؤنة، وعين له الفرقة الناجية: بأنها من كان على ما هو r وأصحابه. وقد عَرَف بحمد الله –من له أدنى همة في الدين– ما كان
عليه النبي r وأصحابه. ونُقِلَ إلينا أقوالهم وأفعالهم
–حتى أكلهم وشربهم ونومهم ويقظتهم– حتى كأنا رأيناهم رأي عين. وبعد ذلك فمن رزقه
الله إنصافاً من نفسه وجعله من أولي الألباب، لا يخفاه حال نفسه أولاً: هل هو متبع
لما كان عليه النبي r وأصحابه،
أو غير متبع؟ ثم لا يخفى حال غيره من كل طائفة: هل هي متبعة أو مبتدعة؟». أهـ.
ثم
إن القرضاوي قد رد على نفسه بنفسه عندما بيّن أن المقصود بعبارة «كلها في النار»،
أي: ابتداءً، و أنهم لا يخلدون فيها. فهذا يدل على أن الحديث لا يتعارض مع أصول
الدين البتة. فلم إنكاره إذاً؟ أما قوله في بعض من قد يكون من بين تلك الفرق الضالة
«... ولا سيّما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطئوا
الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». فتناقضٌ
صريحٌ مع ما قبله، ودليلٌ على أنه لم يفهم الحديث بعد. فهؤلاء لا يشملهم الحديث
أصلاً! بل إن كانوا قد أخطئوا باجتهادهم في معرفة الحق –و هذا علمه عند الله–
فهؤلاء مأجورون بإذن الله تعالى. لكن الكلام على من سلك غير سبيل المؤمنين و عاند
أهل السنة و الجماعة، أو من تعالَمَ و ظن أنه أهل للاجتهاد في اختيار الطريق التي
سلكها فيما ظن فيه اتباع النبي r. فهذا
جاهلٌ مركبٌ أصر على جهله.
ثم
حاول الشيخ القرضاوي الإيهام بأن الحافظ ابن كثير يوافقه في تضعيف الحديث! فقال أن
ابن كثير قد سرد الحديث في تفسيره «ولم يزد على ذلك فلم يصفه بصحة ولا حسن». قلت
وهذا أيضاً من تسرعه في إطلاق الأحكام. فمن المعروف أنه لا يُنسبُ لساكتٍ قول.
وابن كثير إن سكت عن حديث فليس ذلك دلالة ضعف، لأنه لم يلتزم الإشارة إلى صحة
الحديث كلما ذكره. فكيف لو أنه قد أثبته في موضوع آخر؟ فالحديث أثبته ابن كثير في
تفسيره (2\466) بزيادة "ما أنا عليه وأصحابي". وقاتل الله التسرع
والعَجَلة.
الأخطاء
في مقال الشيخ القرضاوي –على صغر حجمه– كثيرةٌ يصعب إحصائها. وهي أخطاءٌ واضحةٌ لا
تُقبل من طالبٍ في كلية الشريعة، فما بالك بدكتور يزعم أنه فقيه العصر؟! وكم كنت
أتمنى لو أن الشيخ القرضاوي عرض مقاله على عالم بالحديث، أو حتى طالب علم يدرس
الحديث، قبل أن ينشر تلك الأخطاء ويسيء إلى نفسه بها. أما عِلْمُ الحديث فلا يمكن
الوصول إليه بقراءة كتابٍ أو كتابين. وإنما يصل إليه المُجِدُّ بإدمان النظر في
كتب الأحاديث والرجال والعِلل، وبسؤال أهل المعرفة بالحديث، وبالاطلاع على أقوال
جهابذة علماء الحديث من المتقدمين. مع تصحيح النية، والبعد عن التلاعب في تخريج
الحديث بسبب الهوى والعصبية. وإلا، فعليه أن يعرف قدر نفسه، ويعتمد على تخريجات
الحُفّاظ الكبار الذين أفنوا عمرهم في هذا العلم، ويُسلّم لهم بما يقولون.
قال
إمام الرجال العلامة الذهبي –رحمه الله– في تذكرة الحفاظ (1\4): «حقٌ على المحدّث
أن يتورّع في ما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح
مَروياته. ولا سبيل إلى أن يصير العارف –الذي يُزكّي نقَلَة الأخبار ويجرحُهم–
جِهْبِذاً، إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ
والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري
والإتقان. وإلا تفعل:
فدَع عنك الكتابة، لستَ
منها
* ولو سوَّدت وجهك بالمِداد
قال
الله تعالى –عز وجل–: ]فاسألوا أهلَ الذكر إن كنتم لا
تعلمون[. فإن آنستَ –يا هذا– من نفسِك فهماً
وصدقاً وديناً وورعاً، وإلا فلا تَتَعنَّ. وإن غَلَب عليك الهوى والعصبية للرأي
والمذهب، فبالله لا تَتعب. وإن عرفتَ أنك مخلِّطٌ مخبِّطٌ مهمِلٌ لحدود الله،
فأرحنا منك. فبعد قليل ينكشف البَهْرَج، ويَنكَبُّ الزّغَل، ]ولا يَحيقُ المكرُ السيّئ إلا
بأهله[، فقد نصحتك. فعِلمُ الحديث صَلِفٌ. فأين
علمُ الحديث؟ وأين أهله؟! كدت أن لا أراهم إلا في كتابٍ أو تحت تًراب».
وأنصح
الدكتور أن لا يكتب إلا في علم أتقنه، و تمرس فيه مدة من الزمان، و أن يكون رائده
في ذلك النصح للمسلمين و الإخلاص لرب العالمين، بعيداً عن التأثر بخلق الحقد و
الحسد، فذلك أجدى له و أنفع في الدنيا و الآخرة، قال الإمام النووي –رحمه الله
تعالى– في "التقريب" (ص232) ما مختصره: «علم الحديث شريف، يناسب مكارم
الأخلاق، و محاسن الشيم. و هو من علوم الآخرة، من حُرمه حُرِم خيراً عظيماً، و من
رُزِقَه نال فضلاً جزيلاً، فعلى صاحبه تصحيح النية، و يطهر قلبه من أغراض
الدنيا. و ليستعمل الأخلاق الجميلة و الآداب، ثم ليفرّغ جهده في تحصيله. و لا
يحملنه الشَّرَهُ على التساهلِ في التحمّل، فيخلّ بشيءٍ من شروطه. و ينبغي أن
يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات و الآداب، فذلك زكاة الحديث و سبب حفظه. و ليحذر
–كل الحذر– من أن يمنعه الكِبَر، من السعي التام في التحصيل و أخذ العلم ممن
دونه في نسب أو سن أو غيره. و لا ينبغي أن يقتصر على سماعه و كَتبه، دون معرفته و
فهمه. فليتعرف صحته و ضعفه، و معانيه و لغته و إعرابه، و أسماء رجاله،
محققاً كل ذلك. و ليشتغل بالتخريج و التصنيف إذا تأهل له. و ليحذر
إخراج تصنيفه إلا بعد تـهذيبه و تحريره، و تكريره النظر فيه. وليحذر من تصنيف
ما لم يتأهل له».
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=15528
وهي
من الأدلة على أفكاره النيرة!
عنوان
رئيسي بارز: الوجه الآخر لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي... ومن العناوين: يضحكني عادل
إمام وأحب تمثيل نور الشريف !
=
الصحفي: وتناهى إلى سمعي صوت غناء قادم من داخل منـزل الشيخ القرضاوي!! فضحكت،
وأنا أقول: لمن يستمع الدكتور القرضاوي؟
-
الشيخ: في الحقيقة أنا مشغول عن سماع الغناء، لكني أستمع إلى عبد الوهاب وهو يغني
عن الليل، أو "يا سماء الشرق بالضياء"، أو "أخي جاوز الظالمون
المدى".
-
وأستمع أحياناً إلى أم كلثوم (!!) في "نهج البردة"، أو "سلوا قلبي
غداة سلا وتابا".
-
وأستمع بحب (!!) وأتأثر بشدة (!!) بصوت فايزة أحمد (!!) خاصة وهي تغني الأغنيات
الخاصة بالأسرة: "ست الحبايب"، و "يا حبيبي يا خويا" !، و
"يا بو عيالي"، و "بيت العز يا بيتنا على بابك عنبتنا".
-
وهذه أغنيات لطيفة جداً! فأنا لا أرى أن صوت المرأة عورة في ذاته. لكنه
عورة حينما يراد به الإثارة والتمييع والتكسر، ويهدف إلى الإغراء. وهذا معنى قوله
تعالى ]فَلا
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [.
-
وأعتقد أن هذا موجود في بعض الأصوات. إنما صوت فايزة أحمد وهي تغني "ست
الحبايب" ليس فيه إثارة!!!
-
صوت شادية (!!) وهي تغني "يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا"، "يا
معجباني يا غالي": فهذه أغنيات نسمعها في الأفراح والأعراس[لاحظ كيف أن فضيلة
الشيخ القرضاوي يضع شروطاً صحيحة، لكن ينفيها ولا يعمل بها. فكل هذه الأغاني فيها
تمييع وتكسّر كما هو واضح. فما باله يستمع إليها؟]!!
-
أيضاً فيروز (!!) أحب سماعها في أغنية "القدس"! وأغنية "مكة"!
لكني لا أتابعها في الأغنيات. ليس لأنها حرام (!!) وإنما لأنني مشغول.
-
والحقيقة أنا لا أستطيع سماع أغنية عاطفية كاملة لأم كلثوم، لأنها طويلة جدّاً،
وتحتاج إلى من يتفرغ لها!
=
الصحفي: وابتسم الشيخ، وهو يقول: ولا تسألني لمن أستمع مِن الجيل الحديث (!!)
لأنني من الجيل القديم. وأرى أن الجيل الماضي من المطربين أقرب إلى نفسي من
الجيل الجديد!
=
الصحفي: هل هناك هوايات أو رياضة معينة يمارسها الدكتور القرضاوي؟
-
الشيخ!:…. وعندما أتعب من القراءة والكتابة أشاهد بعض الأفلام (!) والمسلسلات (!)
التليفزيونية، أو الفيديو (!!) كنوع من الترويح.
-
وبالأمس: شاهدت فيلماً (!) في التلفزيون المصري لا أذكر اسمه قام ببطولته نور
الشريف (!!) ومعالي زايد (!!). وكان فيه نور الشريف مسجوناً بتهمة سرقة ثلاثة
أرباع المليون جنيه، وكان مظلوماً. لأنه كان هناك واحد وراء تلك الجريمة، ولم
يكتفِ بتلفيق التهمة له، بل تزوج امرأته أيضاً، وخرج نور الشريف ليقتل هذا الرجل
الخائن.
-
ويضحكني عادل إمام (!!) بشدة، وخاصة في "الإرهاب والكباب" (!!!). وفؤاد
المهندس (!!) ودريد لحام في شخصية "غوار"، وممثل سوري دمه خفيف لا أذكر
اسمه.
-
والحقيقة أنا أفضل الأعمال الكوميدية لأنها تريح النفس من التعب والإرهاق!!
المرجع:
جريدة الراية القطرية. الجمعة 20 جمادى الأولى 1419 هـ الموافق لـ 11 سبتمبر 1998.
(العدد: 5970) ص:9 /حوارات/ الوجه الآخر لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي. وكذا في
العدد الذي سبقه. ص:15. وقريباً منه ما نشرته جريدة الرياض. الجمعة 26 ربيع الثاني
1421. العدد (11722).
فإن
قيل لنا هذه مقابلة صحفية، فهل عندكم شيء مما كتبه فضيلة الشيخ القرضاوي في كتبه؟
قلنا:
نعم! قال القرضاوي في ترجمة (الإمام مجدد القرن الخامس عشر –كما وصفه هو–) محمد الغزالي في كتابه
"الشيخ الغزالي كما عرفته" ص 94: «كما يطرب (يعني الشيخ المجدد الغزالي) لشعر شوقي في مدائحه
النبوية "نهج البردة" و "الهمزية" وغيرهما: ويتأثر غاية التأثر إذا سمع قصيدته
"إلى عرفات الله" تغنيها أم كلثوم!!! وتدركه حالة من الوجد! يبكي معها
طويلا! حتى إن أولاده ليشعرون بذلك،
فيدعونه في استغراقه الوجداني! لا يقطعون عليه بكلام ولا سلام! ويزداد خشوعا (!!!) وتأثرا حينما
يناجي الشاعر ربه منيبا
إليه راجيا خائفا: و يا رب هل تغني عن العبد حجة *** وفي العمر ما فيه من الهفوات» انتهى.
قلت:
المعروف أن القرضاوي يحب السماع لـ "فايزة أحمد" كما صرح هو، فهل المجدد
(!!) الغزالي على هذا الذوق؟ أم أن
"أم كلثوم" أفضل عنده؟ لعل هذه المسألة الفقهية المعضلة ستشغل الأجيال
المقبلة! لكن تأمل رحمك الله الآتي:
قال ابن
القيم
في المدارج «هيهات
هيهات أن يكون أحد من أولياء الله المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المبتدع المشتمل على هذه الهيئة التي
تفتن القلوب أعظم من فتنة المشروب، وحاشا
أولياء الله من ذلك». وقال في الإغاثة: «وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلفت ببغداد شيئا أحدثته
الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن. فإذا كان هذا قوله في التغبير وتعليله: أنه يصد
عن القرآن، وهو شعر يزهد في الدنيا بغنى به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو
مخدة على توقيع غنائه. فليت شعري ما يقول
في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم؟! فالله بَيـِّنٌ دينه وبين كل متعلم
مفتون وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن
فتنتهما فتنة لكل مفتون. ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين».
قلت قد كثر هذين الضربين في زماننا وبالله المستعان.
وقال ابن
رجب في نزهة الأسماع «فإذا كان
الشافعي –رحمه الله تعالى– قد أنكر الضرب بالقضيب وجعله من فعل الزنادقة، فكيف يكون قوله في آلات اللهو
المطربة؟!». وقال «وأما في سماع آلات اللهو فلم يحك فيه خلافا». وقال «وقد حكى أبو بكر الآجري إجماع
العلماء على ذلك».
وقد نقل
ابن مفلح في "الفروع"
(6\494) عن القاضي عياض أنه ذكر الإجماع على كفر مستحل الغناء. وقال ابن يوسف الكافي التونسي في
(المسائل الكافية): «المسألة الثامنة والخمسون: حرمة الغناء وأخذ الأجرة عليه معلومة من دين
الإسلام، فمن استباح ذلك يكفر لاستباحته ما حرم شرعا».
وقال ابن
المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على إبطال أجرة النائحة والمغنية». وقال النووي في شرح مسلم
«قال البغوي من أصحابنا والقاضي عياض.
وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح». وقال ابن عبد البر في "الكافي":
«من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا..والغناء..وعلى
الزمر واللعب والباطل كله». وحكى ابن قدامة في "المغني"، وابن أخيه في "الشرح
الكبير" الإجماع على أن الطنبور والمزمار والشبابة من آلة المعصية. وقال ابن
الصلاح في "فتاويه": «وأما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت
فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله
في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع».
وقال
القرطبي «وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه. لكن النفوس الشهوانية غلبت
على كثير ممن ينسب إلى الخير». وقال «وأما المزامير والأوتار والكوبة فلا يختلف في
تحريم سماعها، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك،
وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون؟ وما كان
كذلك لم يشك في تحريمه، ولا في تفسيق فاعله وتأثيمه». و قال شيخ الإسلام في المنهاج:
«إن الآت اللهو محرمة عند الأئمة الأربعة، و لم يُحك نزاع في ذلك».
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس «عن أبي الطيب الطبري قال: أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه». وقال ابن حجر الهيتمي