إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

ترك الصلاة جُحوداً بها أو إنكاراً لها كفرٌ وخروجٌ عن مِلًَةِ الإسلام بإجماع المسلمين. ومن تركها كَسَلاً -مع إيمانه بها واعتقاده فرضيتها- فقد صرّح القرآن والحديث الصحيح بكفره ووجوب قتله. وعلى هذا إجماع الصحابة، وإنما حدث الخلاف من بعدهم.

 

أولا: من الكتاب:

 

قال تعالى في سورة التوبة: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} (التوبة:11). أي أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين، ثلاثة شروط: أن يتوبوا من الشرك، وأن يقيموا الصلاة، وأن يؤتوا الزكاة. فإن تابوا من الشرك، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا. والأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية. فلا تنتفي الأخوة الإيمانية بالفسوق والكفر دون الكفر، حتى وإن كان قتل المؤمن.

وهناك أدلة أخرى ذكرها  ابن القيم بتوسع في كتابه "الصلاة وحكم تاركها".

 

ثانيا: من السنة:

 

1) أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله t، عن النبي r قال: «إن بين الرجل، وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة». وعطف الشرك على الكفر، تأكيد قوي لكونه كافراً.

 

2) أخرج أحمد وأصحاب السنن عن بريدة بن الحصيب t، قال: سمعت رسول الله r يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة. فمن تركها، فقد كفر». والمراد بالكفر هنا، الكفر المخرج عن الملة. لأن النبي r، جعل الصلاة فصلا بين المؤمنين والكافرين. ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين.

 

3) وفي صحيح مسلم، عن أم سلمة t، أن النبي r قال: «ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا».

 

4) وفي صحيح مسلم أيضاً، من حديث عوف بن مالك t، أن النبي r، قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قيل: يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة».

 

ففي هذين الحديثين الأخيرين، دليل على منابذة الولاة، وقتالهم بالسيف، إذا لم يقيموا الصلاة. ولا تجوز منازعة الولاة وقتالهم، إلا إذا أتوا كفرا صريحا، عندنا فيه برهان من الله تعالى، لما أخرجه الشيخان من قول عبادة بن الصامت t: «دعانا رسول الله r، فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من الله فيه برهان"». وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة –الذي علق عليه النبي r منابذتهم وقتالهم بالسيف– كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.

 

ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر أو أنه مؤمن. وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وثواب ذلك. وهي إما مقيدة بقيود في النص نفسه يمتنع معها أن يترك الصلاة، وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة. لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة، والخاص مقدم على العام.

 

ثالثاً: من الإجماع:

 

1– أخرج المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (2|877) واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (4|829): من طريق يعقوب بن إبراهيم (ثقة فاضل) قال ثنا أبي (إبراهيم بن سعد، ثقة حجة) عن محمد بن إسحاق (جيد) قال: ثنا أبان بن صالح (ثقة ثبت) عن مجاهد أبي الحجاج (ثقة إمام) عن جابر بن عبد الله t قال: قلت له: «ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله r؟». قال: «الصلاة».

وشغب البعض فقال: لعل بعض الصحابة كان لا يرى تكفير تارك الصلاة، ولم يعرف عنه جابر ولا نحن. أقول: هذا قول خبيث، لأن المراد منه إبطال الإجماع كلية. ثم إذا كان الصحابي لا يُقبل قوله بدعوى الإجماع، فمن الذي سيُقبل قوله؟!

 

وأخرج المروزي (2|875) والحارث في مسنده (كما في زوائد الهيثمي ص181): عن إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال: حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن أبيه عقيل، عن وهب بن منبه، قال: وسألت جابراً (بن عبد الله t): «هل في المصلين من طواغيت؟». قال: «لا». وسألته: «هل منهم مشرك؟». قال: «لا». وأخبرني أنه سمع النبي r يقول: «بين الشرك والكفر ترك الصلاة». وسألته: «أكانوا يدْعون الذنوب شركاً؟». قال: «معاذ الله! ولم يكن يدعون في المصلين مشركاً».

وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن ابن معين قد نفى سماع وهب من جابر، واعتبره صحيفة. لكن هذا يعتبر به في الشواهد، لما يتقوى بما قبله. وتأمل كيف نفى جابر كون الصحابة كانوا يسمون الذنوب شركاً. ففيه ردٌّ على من حمل الشرك هنا على شرك الذنب، لا شرك الكفر. وجابر t هو راوي الحديث «إن بين الرجل، وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة». فهذا تفسير الحديث (وإن كان صريحاً لا يحتاج لتفسير).

 

2– قال التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي: «كان أصحاب محمد r لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر، إلا الصلاة». أخرجه الترمذي (#2622) والحاكم (1|48|12) من طريق بشر بن المفضّل، عن سعيد بن إياس الجُرَيْري، عن عبد الله بن شقيق به. وصححه الحاكم على شرط البخاري ومسلم. وبشر قد سمع من الجريري قبل اختلاطه، كما ذكر ابن حجر في "هدي الساري" (ص405).

 

والمعنى هو أن: الصحابة لا يعتقدون شيئاً من الأعمال الظاهرة تركه كفر غير الصلاة. فإن قيل: كيف هذا وهناك صور كثيرة من الكفر غير ترك الصلاة؟ فالجواب: أن المراد بالحديث تكفير تارك الصلاة، من جملة أعمال الجوارح الظاهرة، التي يسهل جداً تبينها في كل فرد. أما باقي أركان الإسلام فتبينها أصعب. فكيف تعرف أن الرجل يؤدي زكاته، مع علمك بأن صدقة السر أفضل؟ وأما باقي أعمال الجوارح الظاهرة التي يكفر تاركها، فهي نادرة، وليست عامة في الأمة كعموم الصلاة، وذلك كمن رأى رجلاً يريد أن يقتل نبياً، وهو قادر على الدفاع عن النبي دون أن يلحقه أذى، فلم يفعل، –كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية– فهذا أمر نادر، وفي زمن مخصوص، وفي حق رجل معين. بخلاف الصلاة التي هي عامة في الأشخاص، والأزمنة، والأحوال.

 

قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (7|370): «قول عبد الله بن شقيق هذا، بظاهره يدل على أنّ أصحاب رسول الله r كانوا يعتقدون أن ترك الصلاة كفر. والظاهر من الصيغة، أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة، لأن قوله: "كان أصحاب رسول الله r" جمع مضاف، وهو من المشعرات بذلك».

 

3– قال التابعي الإمام الحسن البصري: بلغني أن أصحاب رسول الله r كانوا يقولون: «بين العبد وبين أن يشرك، فيكفر: أن يدع الصلاة من غير عذر». أخرجه اللالكائي (4|829 #1539)، وابن بطة في "الإبانة" (87) والخلال في "السنة" (4|142 #1372).

 

4– أخرج محمد بن نصْرٍ المرْوَزي في "الصلاة" (2|925 #978): ثنا محمد بن يحيى (الذهلي، إمام ثبت) ثنا أبو النعمان (محمد بن الفضل السدوسي، الملقب بعارم: ثقة ثبت) ثنا حماد بن زيد (إمام ثبت فقيه) عن أيوب (تابعي ثبت من سادة الفقهاء) قال: «تَرْكُ الصلاة كُفْر، لا يُختلَفُ فيه». والذهلي قد سمع من عارم قبل اختلاطه، فهذا إسناد غاية في الصحة.

 

5– وقال المروزي: سمعت إسحاق بن راهويه (الإمام الثبت المعروف، نظير أحمد بن حنبل) يقول: «صح عن النبي r: أن تارك الصلاة كافر. وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي r إلى زماننا هذا أن: تارك الصلاة عَمْداً من غير عُذر حتى يذهب وقتها، كافر».

 

6– قال المروزي في "الصلاة" (2|925): «ذكرنا الأخبار المروية عن النبي r في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها. ثم جاءنا عن الصحابة t مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك. ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك...». ومعلوم أن محمد بن نصر المروزي من أهل الاستقراء التام، والمعرفة الواسعة بأقوال أهل العلم، ومواضع الإجماع والنِّزاع، كما صرح بذلك أبو بكر الخطيب، فقد قال في "تاريخ بغداد" (3|315): «كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام». قال الذهبي في "سير النبلاء" (14|34) مؤيدًا ذلك: «يقال: إنه كان أعلم الأئمة باختلاف العلماء على الإطلاق».

 

7– ذكر شيخ الإسلام في "شرح العمدة" (2|75) وابن القيم في "الصلاة" (ص67) أن هذا هو إجماع الصحابة، لقول عمر بمحضر الصحابة دون إنكار عليه: "لا حظ في الإسلام، لمن ترك الصلاة" أو "لا إسلام لمن لم يصل".

 

8– هذا ولم يستطع القائلون بعدم التكفير، أن يظفروا بصحابي واحد يقول بقولهم. بل ولم يصح لهم عن التابعين عن أحد غير الزهري، وهو من صغار التابعين.

 

قال ابن حزم المحلى (2|242): «ما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة r مخالفاً منهم. وهم (أي أتباع المذاهب الأربعة) يشنِّعون بخلاف الصاحب إذا وافق أهواءهم. وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة r: أن من ترك صلاة فرضٍ واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها، فهو كافر مرتد».

وقد نقله المنذري في "الترغيب والترهيب" (1|393) وزاد من الصحابة: «عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبا الدرداء، رضي الله عنهم». قال: «ومن غير الصحابة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وغيرهم».

 

وهذا هو قول جماهير أهل الحديث. وهو مذهب سعيد بن جبير، والحسن البصري، والشعبي، والأوزاعي، ونسب إلى محمد بن الحسن. وهو القول الصحيح للإمام الشافعي، كما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} (مريم:59). ونقله الطحاوي عن الشافعي نفسه. ومعلومٌ أن الطحاوي (قبل أن يصير حنفياً) أخذ الفقه الشافعي عن خاله المزني صاحب الإمام الشافعي. ولا يقال أنه خلط مذهب خاله بمذهب الشافعي، لأن المزني يذهب –مثله مثل الزهري وأبي حنيفة– إلى عدم قتل تارك الصلاة فضلاً عن تكفيره.

 

ويزعم البعض أن الشافعي ومالك يقولان بقتل تارك الصلاة، ولا يقولان بكفره. مع أنه ليس للشافعي، ولا لمالك، ولا لكثير من الأئمة نصوص في عدم تكفير تارك الصلاة. نعم، نصوا على قتل تارك الصلاة، وليس هذا معناه أنهم يرونه مسلماً. وكذلك هي حال مكحول وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح. قال شيخ الإسلام في الفتاوى (28|308): «وأكثر السلف على أنه يُقتل كافراً، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها».

 

 

فائدة: قال ابن القيم: «لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا، والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه، وخزيه في الدنيا والآخرة».

 

حجج المعارضين:

 

فإن قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحدا لوجوبها؟ قلنا: لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين:

 

الأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به. فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود. ورتب الأخوة في الدين على إقامة الصلاة، دون الإقرار بوجوبها. لم يقل الله تعالى: فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة، ولم يقل النبي r بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة. أو العهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة، فمن جحد وجوبها فقد كفر. ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل:89). وقال تعالى مخاطبا نبيه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}. (النحل:44).

 

الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطا للحكم: فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك.

 

فإن قال قائل: ألا يحتمل أن يراد الكفر في تارك الصلاة كفر بالنعمة لا كفر بالملة؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله r: «اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة في الميت» وقوله r: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» وقوله r: «اثنتان في الناس هما بهم كفر» ونحو ذلك.

 

قلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه:

 

الأول: أن النبي r جعل الصلاة حَدَّاً فاصِلاً بين الكفر والإيمان، وبين المؤمنين والكفار. والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره. فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.

 

الثاني: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام. لأنه هدم ركناً من أركان الإسلام، بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلاً من أفعال الكفر.

 

الثالث: أن هناك نصوصاً أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفرا مخرجا من الملة. فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق.

 

الرابع: أن التعبير بالكفر مختلف. ففي ترك الصلاة قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر». فعبر بأل الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر، بخلاف كلمة "كُفْر" منكراً أو كلمة "كَفَر" بلفظ الفعل. فإنه دال على أن هذا من الكفر، أو أنه كفر في هذه الفعلة. وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام.

 

فإن قال قائل: ما هو الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟

 

قلنا: الجواب أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة. ونحو ذلك. ومن تأملها وجدها لا تخرج عن ثلاثة أقسام، كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كفر.

 

القسم الأول: أحاديث ضعيفة غير صريحة حاول موردها أن يتعلق بها ولم يأت بطائل.

 

القسم الثاني: ما لا دليل فيه أصلا للمسألة. مثل استدلال بعضهم، بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء:48). فإن تارك الصلاة مشرك بنص الحديث النبوي الذي في الصحيح. كذلك فإن معنى قوله تعالى: {ما دون ذلك} ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله، فهو كافر كفراً لا يغفر له وليس ذنبه من الشرك.

 

القسم الثالث: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة. مثل قوله r في حديث معاذ بن جبل: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار». أو عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة. مثل قوله r في حديث عتبان بن مالك: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». فتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد، وصدق القلب، يمنعه من ترك الصلاة. فإذا كان صادقا في ابتغاء وجه الله، فلا بد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك. ما ورد مقيدا بحال يعذر فيها بترك الصلاة. وما مر علي في هذا القسم أحاديث صحيحة أصلاً لأذكرها.

 

ثم يقال في الجمع بين أقوال الطرفين: أن من لم يصل ولا صلاة واحدة في حياته (مع إقراره بوجوبها) فلا يمكن تسميته بالمسلم. فتارك الصلاة كلية كفار. ومن ترك بعضها كسلاً، فهو في مشيئة الله. أما من طلب منه القاضي أن يصلي وإلا يُقتل، فأصر على ترك الصلاة حتى قُتِل، فهذا لا يجب أن يختلف أحد في كفره. لأنه لا يعقل أن يكون إصراره على ترك الصلاة من الكسل، وهو يتعرض للضرب والحبس ويعلم أنه سيُقتل إن لم يصل.

 

ولم يقل أحد من الصحابة في أن من يصر على ترك الصلاة حتى يُقتل: أنه فاسق غير كافر. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (22|47): «وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة. فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن، معتقداً لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل، وهو لا يصلي. هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم. ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يُعرف أن أحداً يعتقد وجوبها، ويقال له: "إن لم تصل وإلا قتلناك"، وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب. فهذا لم يقع قط في الإسلام. ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين».

 

فإذا تبين كفر تارك الصلاة بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم، وجب أن تترتب أحكام الكفر والردة عليه، ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

 

 

إجماع الصحابة على تكفير تارك الزكاة


إجمــاع الصحابــة على تكـفير مانعي الزكاة بمجرد المنع، دون النظر إلى إقرارهم بالوجوب أو الجحد. ودليله حديث أبي هريرة قال: لما توفي النبي r  واسْتُخْلِفَ أبو بكر، وكَفَر من كَفَر من العرب، قال عمر: «يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله r: "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عَصَم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابُهُ على الله"؟». قال أبو بكر: «والله لأقاتِلَنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعها». قال عمر: «فو الله ما هو إلا أن رأيت أنْ قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفـت أنه الحـق». متفق عليه واللفظ للبخاري (#6924) في باب «قتل من أبى قبول الفرائض وما نُسبوا إلى الردّة» بكتاب «استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم».

ودليل تكفير أبي بكر t لمانعي الزكاة قوله «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة». وقد استقر إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة ووجوب قتله إن لم يتب، فدلت تسويته بين الصلاة والزكاة على أن مانعي الزكاة عنده كفار يجب قتالهم. ومن زعم أنه سوّى بين تارك الصلاة ومانع الزكــاة في العقوبـة (القتل) دون الحكم (الكفر) فقد أخطأ. فقد سوّى بينهما أبو بكر تسوية مطلقة تشتمل على الحكم والعقوبة. ويدل عليه قول أبي هريرة «وكفر من كفر من العرب». وهو اختيار البخاري كما ذكره في ترجمة الباب «وما نُسبوا إلى الرِدّة». وقد وافق الصحابة أبا بكر فيما ذهب إليه، فكان هذا إجماعاً منهم على كفر مانعي الزكاة وإقراراً منهم بفضيلة أبي بكر وأعلميته، كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13|237): «وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمــة بالباطـن والظاهــر، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد». وقال أيضاً (35|124): «بل أبو بكر الصديق لا يُحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبي r. وقد وُجِد لعَلِيّ وغيره من الصحابة أكثر مما وُجد لعمر». وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (4|119): «فإن اختَلَف أبو بكر وعمر، فالصواب مع أبي بكر. وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم».

ولم يُنقل أن الصحابة ساروا في قتال مانعي الزكاة سيرة تختلف عن سيرتهم في قتال سائر المرتدين، كقوم مسيلمة الكذاب وغيرهم. فدَلّ على أنهم لم يفرقوا بينهم، بخلاف ما صنع عَلِيّ بن أبي طالب في قتاله للبغاة في وقعة الجمل وصفين. إذ أخبر جيشه بأن لا يجهزوا على جريح وألا يتبعوا مُدْبراً. قال ابن تيمية في منهاج السنة (4|496): «وقد تواتر عن عَلِيّ يوم الجمل لما قاتلهم أنه لم يتبع مدبرهم ولم يُجهز على جريحهم ولم يغنم لهم مالاً ولا سبى لهم ذرية».

وممن نقل إجمــاع الصحابــة على تكفــير مانعــي الزكاة: القاضي أبو يعلى صاحب "الأحكام السلطانية"، قال في "مسائل الإيمان" (ص330): «وأيضاً فإنه إجماع الصحابة. وذلك أنهم نسبوا الكفر إلى مانع الزكاة وقاتلوه وحكموا عليه بالردة، ولم يفعلوا مثل ذلك بمن ظهر منه الكبائر. ولو كان الجميع كفراً لسَوّوا بين الجميع». ونقل الإجماع كذلك أبو بكر الجصاص الحنفي في كتابه "أحكام القرآن" في تفسير قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النســاء:65)، قـال: «وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله r فهو خارج من الإسلام، سواء ردّه من جهة الشك أو ترك القبول والامتناع من التسليم. وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم. لأن الله تعالى حكم بأن من لم يُسلم للنبي r وحكمه فليس من أهل الإيمان». وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28|519): «وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين. وهم يُقاتلون على منعها وإن أقرّوا بالوجوب كما أمر الله». وقال ابن تيمية أيضاً (28|531): «وإذا كان السلف قد سمّوا مانعي الزكاة مرتدين –مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمين». وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (1242هـ) كما في "الدرر السنية" (8|131): «وقال الشيخ – ابن تيمية–رحمه الله في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة: لم يقولوا هل أنت مُقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يُعهد عن الصحابة بحال. بل قال الصدّيق لعمر –رضي الله عنهما–: "والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعها". فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد وجوبها. وقد روي أن طوائف منهم كانوا يُقِرّون بالوجوب، لكن بخلوا بها. ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة: وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار، وسمّوهم جميعهم أهل الردّة».


وقد أطَلنا في بيان اتفاق الصحابة على كفر مانعي الزكاة ورِدّتهم، لأن المشهور لدى المتأخرين هو قول أبي سليمان الخطابي في كتابه "معالم السنن": إن تسمية مانعي الزكاة مرتدون هو من باب المجاز والتغليب (!!) وأنهم بغاة ليسوا مرتدين، لأنهم لم يجحدوا وجوب الزكاة. فوجد المتأخرون الأشاعرة أن هذا الكلام جارٍ على أصول المرجئة في اشتراط الجحود للتكفير، فتلقّفوه ونقلوه في كتبهم. ولهذا لم يعرف كثير من المعاصرين غير هذا القول. ولم يثبت عن الصحابة أنهم تكلموا في مسـألة الجحد أو الإقرار بالوجوب في حق مانعي الزكاة وتعليق الحكم عليهم بذلك. فهذه كما قال ابن تيمية: فروع فاسدة لم تنقل عن الصحابة. فتأمل هذا، تعرف مخالفة كثير من المتأخرين لما كان عليه السلف، كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13|26): «وإذا ذكروا نزاع المتأخرين، لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغاً لم يخالف إجماعاً. لأن كثيراً من أصول المتأخرين مُحدَثٌ مُبتَدَعٌ في الإسلام، مسبوقٌ بإجماع السلف على خلافه. والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعاً». وبهذا تعلم أن اختلاف المتأخرين في تكفير مانع الزكاة –بعد إجماع الصحابة عليه– لا اعتبار له. وهو كاختلاف المتأخرين في تكفير تارك الصلاة، بعد إجماع الصحابة على تكفيره.


وقد ذهب بعض العلماء إلى أن عمر لم يوافق أبا بكر في تكفير مانعي الزكاة، بدليل أنه رَدّ السَّبْي إليهم في خلافته، ذكر ذلك ابن حجر في الفتح، (12|280). وهذا خطأ، فإن رَدّ السبي لا يدل على مخالفة عمر لأبي بكر في تكفير مانعي الزكاة، بدليل أنه رَدّ سبي غيرهم من المرتدين كقوم مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي. فهل خالف عمر في كُفْر هؤلاء؟! بل الصواب في هذا ما ذكره ابن تيمية في "منهاج السنة" (6|349) أن عمر ردّ السبي لسائر المرتدين من العرب بسبب توبتهم ورجوعهم إلى الإسلام. قال ابن تيمية «وأهل الردة كان قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على أنهم لا يُمَكَّنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يُتركون يتبعون أذناب البقر، حتى يُري الله خليفة رسوله والمؤمنين حُسن إسلامهم (وهذا رواه البرقاني في مستخرجه على شرط البخاري). فلما تبيّن لعمر حُسن إسلامهم ردّ ذلك إليهم، لأنه جائز». ونقل ابن جرير الطبري رحمه الله أن عمر ردّ السبي في خلافته لتعظيم أمر العرب، فقال في "تاريخه" (2|304): «فلما وَليَ عمر رحمه الله قال: "إنه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضاً، وقد وسَّع الله وفتح الأعاجم". واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام، إلا امرأة ولدت لسيّدها. وجعل فِداء كل إنسان سبعة أبعرة وستة أبعرة، إلا حَنِيفـة كِنْدة فإنه خفّف عنهم لقتل رجالهم، ومَنْ لا يقدر على فِداء لقيامهم وأهل دَبَا. فتتبعت رجالُهم نساءَهم بكل مكان». وكما ترى فقد ردّ عمر جميع السبي للمرتدين التائبين، وحتى سَبْي الجاهلية بين العرب قبل الإسلام، كما رد النبي
r على هوازن سبيهم بعد أن قسمه بين المسلمين. فلا دلالة في هذا على أنه خالف أبا بكر في تكفير مانعي الزكاة.