تخريج أحاديث كتاب "الولاء والبراء" للشيخ حاتم العوني

 

بسم الله الرحمان الرحيم

وإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلَّ له. ومن يُضْلِلْ فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبدُهُ ورسوله. و إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي ؛ هدي محمد r. وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.

أما بعد،

قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد، فدفع إلي كتاباً نظرت فيه. وكان قد جمع له الزلل من رخص العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه. فقلت له: يا أمير المؤمنين، مُصنِّف هذا الكتاب زنديق! فقال: لم تصحّ هذه الأحاديث؟ قلت: «الأحاديث على ما رويت. ولكن من أباح المسكر، لم يبح المتعة. ومن أباح المتعة، لم يبح الغناء والمسكر. وما من عالم إلا وله زلة. و من جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها، ذهب دينه». فأمر المعتضد، فأحرق ذلك الكتاب.

روى البخاري في صحيحه عن عروة قال: حج علينا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول: سمعت النبي r يقول: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم. فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون.

وقد أتانا الشيخ حاتم -هداه الله- بكتاب يهون فيه على المسلمين الاستعانة بالكفار في حربهم على المسلمين. وقد أسفني جداً وقوعه في أخطاء حديثية وعقائدية متعددة. أما الأخطاء العقائدية فلأنه تكلم في غير فنه. وقد كنت أنوي الرد عليه فيها، لولا أني وجدت كتاب الشيخ ناصر الفهد -فك الله أسره- قد كفى ووفى. أعني كتابه "التبيان" وكتابه الثاني "وقفات مع الوقفات" الذي كتبه رداً على مرجئ متجهم حاول الرد عليه.

فبقيت الأخطاء الحديثية، فرأيت تبيينها في هذا الموضوع. أما الأحاديث التي في صحيح البخاري ومسلم فهي صحيحة. وما تبقى (سواء أصاب الشيخ في حكمه عليه أم أخطأ) أنقله هنا، وأنقل تخريج الشيخ باللون البني، وأعلق عليه مبيناً الصواب أو الخطأ. وأرجو أني قد استوفيت، وعلى الله توكلنا وحسبنا الله ونعم الوكيل.

من الواضح أن الشيخ ناصر الفهد -فك الله أسره- مشمول بالكتاب الذي كتبه الشيخ حاتم -غفر الله له-. لكن الكتاب ليس ضد الشيخ الفهد وحده، بل ضد سائر أئمة الدعوة النجدية -رحمهم الله جميعاً وألحقنا بهم في الآخرة-. ومن أراد مرجعاً جيداً في الولاء والبراء، فعليه بقراءة كتبهم، فقد أجادوا جزاهم الله خيراً. ومن أراد كتباً مختصرة فعليه بكتاب "ملة إبراهيم" للمقدسي أو كتاب "الولاء والبراء" للقحطاني. ثم ليتوسع بعد ذلك وليقرأ كتب أئمة الدعوة النجدية. أما عن كتاب الشيخ حاتم، فأقول بصراحة: لا نريد عقيدة جديدة! اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

 


قال الشيخ حاتم:

وأمّا في البراء، فيقول r، في حديث جرير بن عبد الله البجلي، عندما جاء ليبايعه على الإسلام، فقال جريرٌ لرسول الله r: يا رسول الله، اشْترطْ عليَّ، فقال r: ((أُبَايِعُك على أن تعبد الله ولا تُشْرِكَ به شيئاً، وتُقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتنصحَ المسلم، وتفارقَ المشرك [ وفي رواية: وتبرأ من الكافر])). أخرجه الإمام أحمد (رقم 19153، 19162، 19163، 19165، 19182، 19219، 19233، 19238)، والنسائي 7|147 - 148 رقم 4175، 4176، 4177)، من حديث أبي وائل شقيق بن سلمة، واختُلف عنه: فمن راوٍ له عنه عن جرير بغير واسطة، ومن راوٍ له عنه عن أبي نُحَيلة عن جرير. وقد رجّح ابن معين الأولى، كما في تاريخه (رقم 2814)، وانظر علل الدارقطني (4|91|ب). ولو صحّ الوجه الثاني، فأبو نُحَيلة أثبت له جماعةٌ الصحبة، وإن خالف في ذلك أبو حاتم الرازي، فمثله مقبول الحديث. وعلى هذا فالحديث صحيح.

قال ابن الأمين: لم يعرفه ابن معين إلا عن أبي وائل عن جرير كما في تاريخه برواية الدوري (3|575). ورجح النسائي في المجتبى (7|148): عن أبي وائل عن أبي نخيلة عن جرير. والراجح إثبات صحبة أبي نحيلة، فيكون الحديث صحيحاً. لكنه ليس على شرط الشيخين لأن أبا نحيلة (أو نخيلة) من الوحدان.

 

وفي حديث معاويةَ بنِ حَيْدَةَ t، أنه سأل رسول الله r عن آيات الإسلام؟ فقال r: ((أن تقول أسلمتُ وَجْهِيَ لله، وَتَخَلَّيْتُ، وتُقيمَ الصلاةَ، وتُؤْتيَ الزكاةَ. كُلُّ مسلمٍ على مسلم مُحَرَّمٌ، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشركٍ بعدما أسلم عملاً أو يُفَارِقَ المشركين إلى المسلمين)). أخرجه الإمام أحمد (رقم 20037، 20043)، والنسائي (رقم 2436، 2568)، وابن ماجه (رقم 234، 2536)، والحاكم وصحّحه (4|600)، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه معاوية بن حَيْدة. وقد توبع بهزٌ على أصل الحديث، مما يزيد حديثَه قوّة، فأخرجه الإمام أحمد (رقم 20011)، وابن حبان (رقم 160)، من طريق أبي قَزَعة سُويد بن حُجَير، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه معاوية بن حَيْدة بنحوه، إلا أنه خالف في آخر الحديث، وانظر التعليق على هذه المخالفة في تحقيق مسند أحمد (33|215).

قال ابن الأمين: الرواية التي عن سويد بن حجير فيها «لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملا» وليست فيها زيادة: «أو يُفَارِقَ المشركين إلى المسلمين». وليست في كل الروايات عن بهز، لكنها صحيحة المعنى. قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدا} (116) سورة النساء.


وفي حديث البراء بن عازب
t أن النبيّ r سأل أصحابه عن أوثق عُرَى الإيمان، فأجابوا بعدّة أجوبة، فذكروا: الصلاة والزكاة، والصيام، والحجّ، والجهاد، وفي كل مَرّة كان يقول r: (( حسنةٌ، وما هي بها))، ثم قال r: ((إن أوثق عُرى الإيمان: أن تُحِبَّ في الله، وتُبْغِض في الله)). أخرجه الإمام أحمد (رقم 1854)، من حديث ليث بن أبي سُليم، وفيه خلاف. لكن للحديث شواهد متعدّدة يتقوَّى بها، فانظر تحقيق مسند الإمام أحمد (30|488 - 489).

قال ابن الأمين: ليس من خلاف في ليث بن أبي سليم. هو فقيه سني عابد، لكنه ضعيف الحفظ وقد اختلط في آخر عمره أيضاً. ومع ضعفه يكتب حديثه ولا يحتج به. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (6|184): ملخصاً حاله: «لا يبلغ حديثه مرتبة الحسن. بل عداده في مرتبة الضعيف المقارب. فيروى في الشواهد والاعتبار وفي الرغائب والفضائل. أما في الواجبات فلا». فالحديث بهذا اللفظ ضعيف، لكن المعنى صحيح.

 

وفي حديث سمرة بن جندب t أنّ رسول الله r قال: ((لا تُساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم)). أخرجه البزار (رقم 4569، 4570)، والحاكم وصحّحه (2|141 - 142)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1|123)، من طُرق لا تخلو من ضعف، لكن يُقويه وَجْهٌ آخر عن سمرة، أخرجه أبو داود (رقم 2780)، والطبراني في الكبير (رقم 7023 - 7024). ويشهد له مُرسل قيس بن أبي حازم عن النبي r أنه قال: ((إني بريءٌ من كل مسلم مع مُشْرِك، ألا لا تَرَاءَى ناراهُما)). أخرجه النسائي (رقم 4780)، وانظر: سنن أبي داود (رقم 2638)، وجامع الترمذي (رقم 1604)، والعلل الكبير له (2|686 - 687 رقم 285)، وعلل الدارقطني (4|89|أ - ب ).

قال ابن الأمين: الطريق التي أخرجها الشيخ هي عن إسحاق بن إدريس عن همام عن قتادة عن سمرة. وفيه إسحاق بن إدريس أبو يعقوب الأسواري البصري، وهو كذاب يضع الحديث. فمثل هذا الطريق لا يعبئ به ولا يكتب في الشواهد. ومن المؤسف أن يحتج الشيخ في العقيدة بحديث كذاب يضع الحديث. فأين تلك الطرق التي قوى الحديث بها؟ طريق إسحاق الكذاب، أم طريق محمد بن عبد الملك الأزدي الذي ترجم له ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (3|82)؟ ولماذا يصدر الشيخ تخريجه بذكر طريق فيه كذاب وضاع؟ فهل الكذاب يعتبر بحديثه أم لا؟ فهذا كما قال الشاعر:

إن كنت تدري فتلك مصيبة * وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم

 أما ما أخرجه الطبراني من نسخة جعفر بن سعد بن سمرة عن ابن عمه خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان عن سمرة. وهؤلاء: ثلاث الأثافي والديار البلاقع! أحدهم كان يكفي في سقوط الحديث. فما لك وما لهذا الإسناد الساقط؟ وهل في واحد من هؤلاء توثيق معتبر أصلاً؟ فهذه نسخة مجاهيل بل ضعفاء لا حجة فيهم. وهو الإسناد الذي قال فيه ابن القطان: «ما من هؤلاء من يعرف حاله. و قد جهد المحدثون فيهم جهدهم». وكان يكفي الشيخ -هداه الله- أن يأتم بما قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله- عن حديث سمرة: «إسناده مظلم لا نقوم بمثله حجة». وهذا شيء ما خالف فيه أحد من الأئمة  المتقدمين.

أما مرسل قيس، فمتنه مختلف. وهذا هو لتتأمله: بعث رسول الله r سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل. قال: فبلغ ذلك النبي r فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما. اهـ.

فهذه الحديث على انقطاعه، لا يصلح أن يكون شاهداً، لأن متنه مختلف، والحادثة التي جاء بها مختلفة. فهو يتكلم عمن قتل خطأ من المسلمين المقيمين مع الكفار الحربيين، حيث يصعب تمييزهم عن الكفار. أي أن رسول الله r أعلمهم أنه بريئ من كل مسلم مع مشرك في دار حرب، ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود. وهذا واضح من المتن. قال الإمام الشافعي (كما في سنن البيهقي 8|130): «إن كان هذا ثبت، فأحسب النبي r والله أعلم أعطى من أعطى منهم متطوعاً وأعلمهم أنه بريئ من كل مسلم مع مشرك والله أعلم في دار شرك ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قود».

وخلاصة الكلام أن هذه الأسانيد المتهالكة لا تقوي بعضها البعض. فإن بل المنكر أبداً منكر، كما قال الإمام أحمد.

 

وقال r: (( إني بُعثت بحنيفيّةٍ سمحة )). أخرجه الإمام أحمد (رقم 24855)، من حديث عائشة، بإسناد حسن. وله شاهدٌ من حديث ابن عباس: أخرجه البخاري معلّقاً في صحيحه - كتاب الإيمان، باب (29): الدين يسر - (12)، ووصله هو في الأدب المفرد (رقم 287)، والإمام أحمد (رقم 2107)، وانظر: تغليق التعليق لابن حجر (2|41 - 42).

قال ابن الأمين: رواه أحمد (6|233): عن سليمان بن داود عن عبد الرحمان بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن عروة عن أمنا عائشة مرفوعاً. وابن أبي الزناد فيه ضعف. لكن يشهد له ما رواه محمد بن إسحاق (مدلس) عن داود بن الحصين (جيد إلا في عكرمة) عن عكرمة عن ابن عباس قال قيل لرسول الله r: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة». وله شواهد مرسلة أخرى ذكرها ابن حجر في تغليق التعليق (2|42).

 

وعن أبي رافع t (وكان قبطيًّا)، قال: بعثتني قريشٌ إلى رسول الله r، فلما رأيت رسول الله r أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله r: (( إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد. ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع)). قال: فذهبتُ، ثم أتيتُ النبيَّ r، فأسلمتُ.

قال ابن الأمين: أخرجه الإمام أحمد (رقم 23857)، وأبو داود (رقم 2752)، والنسائي في الكبرى (رقم 8621)، وابن حبان في صحيحه (رقم 4877). وإسناده صحيح.

 

وقال r: ((أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلاً على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتولُ كافراً)). أخرجه الإمام أحمد (رقم 21946، 21947، 21948)، والبخاري في التاريخ الكبير (3|322 - 323)، والنسائي في الكبرى (رقم 8739- 8740)، وابن ماجه (رقم 2688)، وابن حبان في صحيحه (رقم 5982)، والحاكم وصححه (4|353)، من حديث عَمرو بن الحمق t. والحديث صحيح.

قال ابن الأمين: طرق الحديث:

1) عبد الملك بن عمير (ضعيف مخلط) عن رفاعة بن شداد الفتياني عن عمرو بن الحمق (له صحبة) مرفوعاً: «من أمن رجلاً على نفسه فقتله، فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة».

2) إسماعيل السدي (متهم بالكذب) عن رفاعة بن شداد الفتياني عن عمرو بن الحمق (له صحبة) مرفوعاً: «من أمن رجلاً على نفسه فقتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافراً».

3) أبو ليلى (متروك) عن أبي عكاشة (مجهول) عن رفاعة عن سليمان بن صرد مرفوعاً. وهذا إسناد لا قيمة له.

4) رشدين (ضعيف جداً) عن معاوية بن صالح عن عاصم بن رفاعة البجلي عن عمرو مرفوعاً. وهذا أنكره البخاري.

وهناك طرق أخرى فيها كذابين و مجاهيل (انظر المعجم الصغير 1|45 والمعجم الأوسط 8|5). فرجع الحديث على الإسنادين الأول والثاني. وابن عمير أحسن حالاً من السدي الكبير. فالسدي متهم بالكذب، وابن عمير غاية ما اتهم به هو التخليط، مع إقرارهم بصدقه. ولفظه مختلف عن لفظ السدي، إذ ليس فيه لفظة "وإن كان المقتول كافرا". بل هذه اللفظة ليست في كل الطرق عن السدي. والحادثة واحدة حصلت عند المختار. ومنهج الشيخ حاتم في تقوية الحديث بطرق هالكة مخالف لمنهج الأئمة المتقدمين.

 

وقال r: ((إن الله لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضَرْبَ نسائهم، ولا أكلَ ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم)). أخرجه أبو داود (رقم 3045)، وفي إسناده أشعث بن شعبة مختلفٌ فيه، وهو محتملٌ للتحسين.

قلت: الحديث ضعيف، وإن كان معناه صحيحاً.

 

وعن ابن عباس t، قال: ((مرض أبو طالب فجعل النبيُّ r يعـودُه)). أخرجه الإمام أحمد (رقم 2008، 3419)، والترمذي وحسّنه (رقم 3232)، والنسائي في الكبرى (رقم 8716، 11372، 11373)، وابن حبان في صحيحه (رقم 6686)، والحاكم وصححه (2|432)، والضياء في المختارة (10|389 - 494)، من طريق الأعمش عن يحيى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد اختُلف في يحيى هذا من هو، فمن جعله ابن عمارة، ومن جعله ابن عباد، وعلى كلا الحالين فالحديث مقبول، وإن كان ابنَ عباد فالحديث صحيح، وهو الصحيح. انظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي (5|264 - 266 رقم 2029).

قلت: يحيى بن عمارة الملقب بابن عباد، كوفي مجهول تفرد عنه الأعمش، وليس له إلا هذا الحديث. فالحديث ضعيف، ويدل على ذلك تحسين الترمذي له.

 

قال r: (( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك)). أخرجه أبو داود (رقم 3529)، والترمذي وحَسّنه (رقم 1264)، والحاكم وصححه (2|46)، وإسناده لاينزل عن درحة الحسن. وله شواهد: انظر: سنن أبي داود (رقم 3528)، ومسند الإمام أحمد (رقم 15424).

أقول: للحديث طرق كثيرة كلها ضعيفة متهالكة لا يصح منها شيء.

1) حديث أبي هريرة. أخرجه الترمذي (3|564): وقال عنه: «حسن غريب». وهذه اللفظة لا يستعملها إلا مع الحديث الضعيف، كما هو معلوم. وأخرجه الطبراني في الأوسط (4|55) بسبب غرابته. قال ابن حجر: «تفرد به طلق بن غنام عن شريك». وكلاهما ضعيف. وهذا الحديث معدودٌ من منكرات طلق. قال الذهبي في ترجمته الميزان (3|472): «قال أبو حاتم: روى حديثـاً منكراً عن شريك وقيس بن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً أد الأمانة إلى من ائتمنك». وانظر علل ابن أبي حاتم (1|375).

قال ابن القطان كما في نصب الراية (4|119): «والمانع من تصحيحه أن شريكاً وقيس بن الربيع مختلف فيهما». وقال البيهقي في سننه: «حديث أبي حصين تفرد به عنه شريك القاضي وقيس بن الربيع. وقيس ضعيف. وشريك لا يحتج به عند أكثر أهل العلم بالحديث. وإنما ذكره مسلم بن الحجاج في الشواهد». وقال ابن حزم في المحلى (8|182) فيه: «طلق بن غنام عن شريك وقيس بن الربيع، وكلهم ضعيف».

2) حديث أنس. أخرجه الطبراني في الصغير (1|288) وقال: «لم يروه عن أبي التياح يزيد بن حميد إلا عبد الله بن شوذب. تفرد به أيوب (بن سويد، سارق للحديث متفق على ضعفه). ولا يُروى عن أنس إلا بهذا الإسناد». وقال ابن عدي في الكامل (1|362): «وهو منكر بهذا الإسناد».

3) حديث طريق يوسف بن ماهك عن فلان مجهول عن آخر. وهو عند أبي داود (3|290). قال ابن حجر: «وفيه هذا المجهول». وقال البيهقي في سننه الكبرى (10|271): «الحديث في حكم المنقطع. حيث لم يذكر يوسف بن ماهك اسم من حدثه، ولا اسم من حدث عنه من حدثه». وقال ابن حزم في المحلى (8|182): «أما حديث فلان عن أبيه، ناهيك بهذا السند! ليت شعري: مَن فلان؟ ونبرأ إلى الله تعالى من كل دين أُخِذَ عن فلان الذي لا يُدرى من هو، ولا ما اسمه، ولا من أبوه، ولا اسمه».

4) حديث أبي بن كعب. قال ابن حجر في تلخيص الحبير (3|97): «ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية. وفي إسناده من لا يعرف». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (2|593): «فيه يوسف بن يعقوب مجهول. وفيه محمد بن ميمون، قال ابن حبان: منكر الحديث جداً لا يحل الاحتجاج به».

5) حديث الحسن البصري. قال البيهقي: «وهو منقطع». قال ابن حزم في المحلى (8|182): «مرسل. وفيه المبارك بن فضالة (الراوي عن الحسن)، وليس بالقوي».

6) حديث أبي أمامة. قال ابن حجر: «رواه البيهقي من طريق أبي أمامة بسند ضعيف». والذي قاله البيهقي هو: «وروي عن أبي حفص الدمشقي عن مكحول عن أبي أمامة عن النبي r. وهذا ضعيف: لأن مكحولاً لا يسمع من أبي أمامة شيئاً. وأبو حفص الدمشقي هذا مجهول». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4|145): «رواه الطبراني في الكبير. وفيه يحيى بن عثمان بن صالح المصري: قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه».

قال ابن الأمين: وهذه طرق كلها شديدة الضعف، لا يمكن أن تقوي بعضها البعض. ولذلك حكم أهل العلم على هذا الحديث بالضعف من جميع طرقه. قال الشافعي: «هذا الحديث ليس بثابت». وقال ابن الجوزي: «لا يصح من جميع الطرق». ونقل عن الإمام أحمد أنه قال «هذا حديث باطل، لا أعرفه من وجه يصح».

قال ابن حزم في المحلى (8|182): «ثم لو صحت، لما كان فيها حجة. لأن نصها "لا تخن من خانك وأد الأمانة إلى من ائتمنك". وليس انتصاف المرء من حقه خيانة. بل هو حق واجب وإنكار منكر. وإنما الخيانة أن تخون -بالظلم والباطل- من لا حق لك عنده، لا من افترض الله تعالى عليه أن يخرج إليك من حقك أو من مثله إن عدم حقك! وليس رد المظلمة أداء أمانة، بل هو عون على الخيانة».

قال ابن عبد البر في التمهيد (20|159): «قوله r "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". وهذا معناه عند أهل العلم: لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك. والنهي إنما وقع على الابتداء أو ما يكون في معنى الابتداء. كأنه يقول ليس لك أن تخونه وإن كان قد خانك كما من لم يكن له أن يخونك أولاً. وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه، فليس بخائن. وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له».

هذا وللحديث بقية إن شاء الله.